في أزقة بيت لحم العتيقة، حيث تفوح رائحة التاريخ من بين شقوق الحجارة، لا يرمم مركز “الجبل الفيروزي”
مجرد مبانٍ قديمة، بل يعيد الروح إلى حكايا كادت أن تندثر. هنا، في هذا الحيز الإبداعي، تتحول قطع الخشب الصماء وبتلات الصدف الباهتة إلى تحفٍ تنطق بلسان الهوية الفلسطينية، لتعلن أن الحرفة ليست مجرد مهنة، بل هي معركة بقاء ثقافي.
من كابول إلى بيت لحم: رحلة الحجر والصدف
لم تكن البداية من فلسطين، بل من رؤية عالمية انطلقت لإحياء الحرف المهددة بالزوال في المجتمعات التاريخية. واليوم، يتخذ “الجبل الفيروزي” من بيت لحم مقراً له، ليجمع تحت سقفه أمهر الحرفيين والحرفيات، مانحاً إياهم المساحة والأدوات لإعادة صياغة موروث خشب الزيتون والصدف التقليدي بروح عصرية تنافس في الأسواق العالمية.
“من بيت لحم إلى العالم.. السيد [فؤاد التميمي] يضعنا في قلب الحدث؛ ليرسم لنا خارطة ‘الجبل الفيروزي’ التي تمتد فروعها عابرةً للحدود، محوّلةً الحرفة المحلية إلى لغة عالمية يفهمها الجميع.


واجهة مبنى الجبل الفيروزي نموذج حي لترميم الحجر
ولا يتوقف الإبداع عند حدود النحت والترميم، بل يمتد ليشمل لمسات نسائية بارعة تمنح المنتجات حياةً جديدة؛ حيث تبرز مهارات إعادة التدوير الفني والتطريز. هنا، تتحول المخدات القديمة والمنسوجات التقليدية إلى قطع عصرية بلمسات تراثية، وتُعاد صياغة الأثاث والكراسي عبر دمج فنون الخياطة والتطريز اليدوي، مما يجعل من كل قطعة “حكاية صمود” تجمع بين الاستدامة والجمال.”
“وبعد رحلة طويلة من العمل المجهد والدقيق، تصل هذه القطع إلى محطتها الأخيرة في صالة عرض المنتجات (Showroom). هناك، تُعرض التحف الجاهزة أمام الزوار والسياح، لتمثل واجهةً مشرقة للإنتاج الفلسطيني؛ حيث لا تُباع هناك مجرد منتجات، بل يُباع فخرُ صناعةٍ يدويةٍ نُقشت بحب، ونُقلت من أيدي الحرفيين في المشاغل لتستقر كتحف فنية عالمية الجودة.”
في التسجيل الصوتي اعلاه تروي لنا المسؤولة اية ابو دية قصتين تختصران رحلة البحث عن الذات وسط ركام
إنها ليست مجرد قصة مؤسسة أو حرفة يدوية، بل هي حكاية إصرار تبدأ من قلب بيت لحم لتصل إلى العالم. هنا، في كل زاوية من ‘الجبل الفيروزي’، تُثبت الأيدي الماهرة أن الإرث الذي نحمله ليس عبئاً من الماضي، بل هو بوصلة نحو المستقبل. وبينما تغادر المكان، تبقى في ذاكرتك رائحة خشب الزيتون ولمعان الصدف، ويقينٌ بأن الهوية الفلسطينية، كأشجارها، متجذرةٌ في الأرض، وعصيّةٌ على النسيان.”
You Might also like
-
سيدة الارض والطبشور :نعمة قصقص تروي حكاية الصمود في بتير
في عمق الريف الفلسطيني، حيث تعانق المدرجات الزراعية السماء، وتهمس مياه الينابيع بأسرار أجدادٍ سكنوا هذه التلال منذ آلاف السنين، تتربع قرية “بتير” كأعجوبة هندسية حية. هنا، لا تروي المياه الأرضَ فحسب، بل تروي حكاية شعبٍ تشبّث بهويته من خلال الصخور المفتتة والتراب المجبول بالعرق. في هذا الفضاء الممتد بين سحر الطبيعة وإرث التاريخ، برزت نساءٌ لم يكتفين بكونهن شاهدات على جمال القرية، بل صرن حارسات لإرثها.
فبين أصوات الطباشير التي كانت تخط المستقبل على السبورة وصوت الفأس الذي يضرب في عمق التراب ليعيد الحياة للجذور هنا تشكلت حكاية الحجة نعمة قصقص لم تكن نعمة مجرد معلمة عادية تمر على الصفوف وتغادر بل كانت تبذر القيم في عقول طلابها صباحا لتعود مساءً وتبذر الأمل في أراضيها الكثيرة التي تنتشر في أرجاء بتير .كرست حياتها بالكامل لهذه الثنائية فلم تسمح للوظيفة أن تبعدها عن عشق الأرض .ولم تترك أراضيها لتواجه خطر الإهمال بل جعلت من مهنتها وعملها مزارعة رسالة صمود وتحدٍ تؤكد فيها أن الهوية الفلسطينة تحمى بالعلم وتثبت بالفلاحة.
ولكي تقترب أكثر من ملامح هذه المسيرة الإنسانية الفريدة، وتلمس بنفسك تلك الروح التي تجمع بين هيبة التعليم وعنفوان الفلاحة، ندعوك للتأمل في هذه الإطلالة من قلب الميدان:
تأتي هذه الملامح الواثقة لتختصر في تفاصيلها عقودا من العطاء المزدوج . فبينما تجلس الحجة نعمة هنا محاطة بثمار ارضها وخيرات بتير التي صنعتها بيديها . نرى في خطوط وجهها خارطة طريق لامرأة أثبتت أن رعاية الأرض لا تقل قدسية عن تربية العقول وأن تحويل التراب الى مواسم وعطاء هو خط الدفاع الأول عن الهوية والوجود.
من غربة الكويت إلى جذور بتير.. ثنائية العطاء
خلف الهدوء الذي يلف أراضي الحجة “نعمة قصقص”، تكمن رحلة كفاح طويلة شكلت وعيها وشغفها بالأرض. بدأت حكايتها بعد نيلها شهادة الثانوية العامة (التوجيهي) وحصولها على دبلوم في التدريس، لتنطلق في رحلة غربة قادتها إلى دولة الكويت، حيث أمضت هناك سنوات في سلك التعليم، تنير عقول المغتربين وأبناء الجالية. ورغم استقرار الحياة هناك، كان حنين بتير ومدرجاتها يتردد في صدى روحها، فقررت العودة إلى مسقط رأسها في فلسطين لتكمل الرسالة التي بدأت.
لم تكن العودة سهلة، لكن إرادة الحجة نعمة كانت أقوى؛ فتقدمت فوراً للوظيفة الحكومية واستأنفت مسيرتها كمعلمة للأجيال في المدارس المحلية. وهنا، تجلت معجزتها اليومية في إدارة الوقت وإعادة ترتيب أولويات الحياة؛ فبين يديها اللتين تمسكان بالطبشور في الصباح، كانت تمسك بالفأس عند المساء. نجحت في صياغة معادلة استثنائية وازنت فيها بين متطلبات أسرتها وتربية أطفالها، وبين واجبها المهني في المدرسة، وعشقها اللامتناهي لأراضيها المتعددة التي تولت رعايتها والاهتمام بها بنفسها، معتبرة أن كل شبر تزرعه هو إرث لا يمكن التفريط به.
هذه التربية المتكاملة، وهذا التوازن بين بناء الإنسان وعمارة الأرض، جعلا الحجة نعمة تنظر إلى بتير ليس كمجرد مكان للسكن، بل ككيان حي ينبض بالنظام والتاريخ. ولأنها ترى في نظام ري القرية وجغرافيتها انعكاساً لمنظومة الصمود والعطاء التي عاشتها، نترككم مع هذا المقطع البصري الشامل، حيث تأخذنا الحجة “نعمة” في جولة وصفتها بعيونها، لتحدثنا عن بتير، وما تشتهر به، والسر الكامن وراء أعجوبة نظام الري التقليدي فيها:
بين كلمات الحجة “نعمة” العفوية المليئة بالحب وانسياب المياه في قنوات بتير خلال مقطع الفيديو، ندرك أن الزراعة هنا ليست مجرد مهنة، بل هي هندسة حياة وتوارث أجيال. فالنظام الصارم والمحكم الذي تروي به الحجة أراضيها اليوم يتطابق تماماً مع ذات النظام والدقة التي أدارت بها وقتها طوال عقود بين أسرتها، وطلابها في المدرسة، ورعاية أراضيها الكثيرة.
إن حديث الحجة “نعمة” وملامحها الممزوجة بتراب بتير يقدمان نموذجاً مشرفاً للمرأة الفلسطينية التي لم تتنازل يوماً عن دورها الطليعي؛ فبينما كانت تصنع جيل المستقبل بوعيها وعلمها، كانت تحمي جغرافيا الوطن بفأسها وسقايتها، لتثبت للعالم أجمع أن الأرض لا تموت ما دام هناك أمهات ومربيات يرضعن أبناءهن حب الجذور، ويحرسن الينابيع والمدرجات بأهداب العيون، ويجعلن من صمودهن اليومي حكاية فخر تتوارثها الأجيال صلبة لا تنكسر
لغة الأرقام.. كيف تتقاسم عائلات بتير الحياة؟بين كلمات الحجة “نعمة” العفوية المليئة بالحب وانسياب المياه في قنوات بتير خلال مقطع الفيديو، ندرك أن الزراعة هنا ليست مجرد مهنة، بل هي هندسة حياة وتوارث أجيال. فالنظام الصارم والمحكم الذي تروي به الحجة أراضيها اليوم يتطابق تماماً مع ذات النظام والدقة التي أدارت بها وقتها طوال عقود بين أسرتها، وطلابها في المدرسة، ورعاية أراضيها الكثيرة.
النظام الفريد الذي تحدثت عنه الحجة “نعمة” في مقطع الفيديو ليس مجرد تنسيق عفوّي أو ودي بين جيران، بل هو شبكة هندسية واجتماعية معقدة تعود جذورها التاريخية إلى العهد الروماني، وتُعرف محلياً بنظام “الري التقليدي” أو قنوات التوزيع. هذا النظام لا يترك مجالاً للمصادفة؛ فكل قطرة ماء تخرج من ينابيع بتير محسوبة بدقة بالغة وموزعة كحصص زمنية محددة بالساعات والدقائق بين عائلات القرية الرئيسية (مثل عائلة قصقص، البطمة، وعوينة) لضمان سقاية كافة المدرجات بالتناوب.ولأن أراضي الحجة “نعمة” متعددة وتنتشر في أرجاء مختلفة من القرية، فإن إدارة ريها يعتمد بالكامل على فهم هذا التقسيم العبقري. ولكي نختصر تعقيد هذا الإرث التاريخي المسجل لدى اليونسكو، ونحوله إلى لغة بصرية رقمية سهلة القراءة، تلخص لنا البيانات التالية ملامح منظومة الري وتوزيع الحصص المائية في بتير:
لا يمثل المخطط الدائري أعلاه مجرد تقسيم مائي عشوائي، بل هو وثيقة اجتماعية تعكس الخارطة الديموغرافية والتاريخية لقرية بتير وعائلاتها العريقة؛ حيث يضمن هذا النظام توزيعاً جغرافياً دقيقاً يغطي كافة أراضي السقاية في البلدة:
كتلة عائلة قصقص (25%): وتتركز أراضيها الزراعية ومدرجاتها في مناطق قريبة من عيون الماء الرئيسية وفي الأودية المحيطة، وتعتمد على هذا الربع لإتمام دورة ري كاملة ومحسوبة بالدقائق.
كتلة عائلة البطمة (25%): وتدير تاريخياً مساحات واسعة من المدرجات الزراعية الوسطى، وهي شريك أساسي في الحفاظ على قنوات الري الحجرية (القنوات الرومانية) من الانجراف والاندثار.
كتلة عائلة عوينة (25%): وتتوزع حصتها المائية بين أراضيها في السهول والمدرجات المرتفعة، وتتميز بنظام داخلي صارم في تدوير الساعات لضمان عدم جفاف التربة في المواسم الجافة.
حصة عائلات بتير الأخرى (25%): وهي الحصة الأكبر من حيث التنوع الاجتماعي، حيث تتقاسمها بالتكافل والتناوب العائلات العريقة الأخرى في القرية لضمان العدالة الكاملة، وتضم:
عائلة القيسي وعائلة الشامي: اللتان تمتلكان أراضٍ ممتدة على طول المنحدرات الجبلية المحاذية لخط السكة الحديدية التاريخي.
عائلة عبيد الله وعائلة معمر: وتتركز مساهماتهما في حماية عيون الماء الفرعية وإدارة الحصص المخصصة للمزارعين الصغار.
عائلة النجار: وتتكامل حصتها مع بقية العائلات في فلاحة المدرجات المتاخمة لقلعة بتير الأثرية.
إن هذا التكامل العائلي الفريد هو الذي جعل من بتير نموذجاً عالمياً للإدارة البيئية والتراثية، وأثبت للعالم (ولمنظمة اليونسكو) أن صمود هذه المدرجات الخضراء عبر مئات السنين يعود إلى توزيع الأدوار والمسؤوليات بين كافة عائلات وجذور القرية دون استثناء.
لكي ندرك أبعاد العبقرية الهندسية والتراثية التي تميزت بها قرية بتير، لا بد من قراءة موقعها الجغرافي وسياقها على خارطة فلسطين؛ فالأرض هناك ليست مجرد مساحات خضراء معزولة، بل هي شبكة حية وممتدة من المدرجات الأثرية وعيون الماء التي تنبض بالحياة منذ آلاف السنين
في الخارطة التفاعلية التالية، نستعرض معكم موقع قرية بتير بالنسبة لفلسطين، ونُسلط الضوء على المعالم الجغرافية وعيون الماء التاريخية التي تشكل شريان الحياة والصمود للمزارعين هناك
كيف تتوزع الينابيع في الضفة الغربية؟
تُظهر الألوان المتباينة على الخارطة تفاوتاً ملحوظاً في الكثافة المائية والبيئية بين المحافظات الفلسطينية، حيث تم تقسيمها بناءً على تركز عيون الماء والينابيع الطبيعية التي تشكل العمود الفقري للزراعة التقليدية:
المناطق البيئية الأكثر كشافة (بيت لحم والخليل): تتربع محافظة بيت لحم في مقدمة الخارطة، حيث تحتضن قرية بتير بنظامها المائي الفريد؛ إذ يعتمد المزارعون هناك على قنوات الري الرومانية لتوزيع المياه على المدرجات بالتساوي. تلتقي هذه الجغرافيا مع الخليل ورام الله ليشكلوا معاً المثلث الأكبر في وسط وجنوب الضفة للينابيع التي تغذي البساتين الممتدة.
امتداد السفوح الجبلية (نابلس، جنين، وطولكرم): تظهر هذه المحافظات بتدرج لوني متوسط، وهي تعتمد تاريخياً على مياه الأمطار والينابيع الجبلية لري زراعة الحبوب والخضار، وتشكل سلة الغذاء الشمالية للضفة الغربية.
مناطق الشريط الغربي والأغوار (قلقيلية، سلفيت، طوباس، وأريحا): تقع في تدرج لوني مختلف؛ حيث تعتمد أريحا والأغوار على ينابيع كبرى محددة (مثل عين السلطان)، بينما تعتمد قلقيلية وسلفيت على الحوض المائي الغربي والآبار الارتوازية أكثر من عيون الماء السطحية، مما يخلق سياقاً زراعياً مختلفاً تماماً عن مدرجات بتير المائية الأثرية.
هذا التوزيع الجغرافي ليس مجرد أرقام، بل هو المساحة التي يتحرك فيها المزارع الفلسطيني يومياً لحماية أرضه. وفي قلب محافظة بيت لحم التي تميزت في خارطتنا، تتجسد هذه العلاقة بين الإنسان والماء في تفاصيل حياة الحجة نعمة قسيس; المعلمة والمزارعة البتيرية التي لم تكتفِ بتلقين الدروس في الغرف الصفية، بل حوّلت مدرجات بتير الأثرية إلى صفٍ مفتوح يعلم الأجيال معنى الصمود والتمسك بكل قطرة ماء تتدفق من عيون القرية التاريخية
في الختام، تتجاوز قرية بتير حدود الجغرافيا المكتوبة على الخرائط التفاعلية والأرقام الصماء؛ لتصبح نموذجاً حياً وشاهداً على علاقة أزلية بين الإنسان الفلسطيني وأرضه. إن التدرج اللوني الذي يضع بيت لحم ومدرجات بتير المائية في مقدمة الوعي البيئي، هو ذاته التدرج الذي يصيغ يوميات الصمود التي تقودها نساء ورجال القرية لحماية تراث أدرجته اليونسكو على قوائمها، لكن أهل الأرض أدرجوه أولاً في قلوبهم ووصاياهم.
ومن غرف الصف المدرسية إلى قنوات الري الأثرية، تبقى المسافة التي تقطعها الحجة نعمة قصقص يومياً هي المساحة الحقيقية للحرية والبقاء. فكل شتلة تزرعها، وكل قطرة ماء توجهها بعصاها لتسير في قنوات بتير التاريخية، هي درس عملي في الانتماء يتجاوز السطور والكتب.
بين توثيق الكاميرا، وتفاصيل الصور، والبيانات الرقمية، تظل الحقيقة الأبرز في بتير: أن عيون الماء هناك قد تخضع لتقسيم الساعات والعائلات، لكن تدفقها نحو الحرية والصمود لا يمكن أن يحده زمان أو مكان، طالما أن في الأرض عروقاً تنبض بالإصرار كعروق الحجة نعمة.
Post Views: 143 -
غرزة من زمن الطيبين: حكاية خيط صاغ حياة كريمة
بدأت رحلة السيدة فتحية العتيق (أم عصام) ( 73 عاماً) مع آلة الخياطة وخيوط الصوف منذ كانت بالسابعة عشر من عمرها ، حيث لم تكن الإبرة بالنسبة لها مجرد أداة عمل، بل كانت وسيلة لصياغة واقع أفضل لها ولأسرتها. ومنذ ذلك الزمن الجميل وحتى يومنا هذا، لا تزال “أم عصام” تجلس خلف ماكينتها، تحول قطع القماش الصماء إلى مساكات حرارية تتهافت عليها ربات البيوت، وتغزل بخيوط الصوف حكايات من الكروشيه تنبض بالدفء والإتقان.
تقول أم عصام إن علاقتها بالحرفة لم تتوقف عند حدود الهواية، بل تطورت لتصبح مشروعاً إنتاجياً صمد أمام متغيرات الزمن.وتضيف أنها اعتمدت على مهارتي الخياطة والحياكة لتكونا مصدراً أساسياً لتأمين احتياجات منزلها، مبرهنة على أن العمل اليدوي هو الضمانة الحقيقية للحياة الكريمة التي رزقها بها الله خلال هذه الفترة . فهي لم تكتفي بالخياطة والبيع بل قامت بالإشراف على دورة تعليمية وتدريبية بعنوان العلاج بالفنون ( الكروشيه) لجموعة من النساء بمؤسسة مجتمعية، جمعية النشاط النسوي/ مخيم دهيشة، ومن خلالها علمت النساء نسيج الصوف خطوة بخطوة من كيفية مسك السنارة والصوف الى نهاية الخيط ، وكما تشير بتجربتها إن الإيمان بالله سبحانه وتعالى هو البداية لحياة كريمة، فإن الاستمرارية في الإنتاج من الماضي إلى الحاضر تعكس إرادة صلبة لا تعرف الكلل.
وتجسيداً لمبدأ الاستدامة ونقل الخبرات، تظهر ام عصام العتيق في جمعية النشاط النسوي بمخيم دهيشة وهي تشرف على ورشة تدريبية لتعليم النساء فنون الحياكة والكروشيه. بحيث توثق اللحظات الدقيقة لتعليم كيفية التحكم بالسنارة وتأسيس الغرز الأولى، ضمن مبادرة تهدف إلى تمكين نساء المخيم اقتصادياً وفتح آفاق مهنية جديدة لهن تعتمد على المهارة اليدوية والإبداع الشخصي.

تجمع المنتجات المعروضة بين الجانب الوظيفي والجمالي حيث تظهر أم عصام وهي تقوم بتعليم السيدات على كيفية صنع قطع الكروشيه من البداية بكيفية مسك السنارة الى ادخال الخيط وختاماُ بقطعة صوف فريدة من نوعها
و تبرز قطع الكروشيه المتنوعة باشكالها والوانها ، والتي باتت تشكل علامة تجارية خاصة بـأم عصام ،بحيث تعتمد فيها على خامات الصوف الممتازة والتصاميم المبتكرة باقل الامكانيات المطلوبة .


وبين طيات الخيوط، تحكي لنا هذه اليدان قصة صمود لم تكسرها السنين. ليست مجرد غرز كروشيه، بل هي إرادة امرأة لم تعترف يوماً بكلمة ‘مستحيل’. رغم كل الظروف، لا تزال تبدع وتنتج، لتثبت لنا أن الشغف لا يشيخ أبداً.والعمر مجرد رقم حين تكون العزيمة من حديد.فاستمرارها في العمل والبيع رغم تقدم السن هو درس حيّ في المثابرة لكل شاب وشابة. قصتها تقول: “ابدأ بما تحب، واستمر مهما كانت الظروف وتوكل على الله بكل شي”. وهنا أكدت أم عصام عزيمتها وأرادتها في الاستمرار بمسيرتها نحو الامام وقامت على انشاء حساب على منصة التيك توك تنشر فيه ما تم صنعه وتداوله عبر مواقع التواصل الاجتماعي .
من غرزة الخيط الأولى إلى عالم الفضاء الرقمي اليوم، لم تكن السنين بالنسبة لأم عصام العتيق إلا دافعاً للإبداع المستمر وتطوير حرفتها التي بدأت منذ سن السابعة عشرة. فبإرادة صلبة لم تكسرها التحديات أو متغيرات الزمن، اختارت السيدة السبعينية أن تواكب العصر وتنشئ حسابها الخاص على منصة تيك توك؛ لتنشر فنها وتثبت أن الحرفة اليدوية والصوف سيبقى اثره موجوداً الى يومنا هذا .
إن قصة أم عصام هي رسالة ملهمة بأن الشغف لا يشيخ أبداً، وأن العزيمة من حديد تجعل العمر مجرد رقم؛ فاستمرارها في الإنتاج والتعليم رغم تقدم السن هو أكبر درس حيّ في المثابرة لكل شاب وشابة. وكما تقول أم عصام دائماً لتختم حكايتها: “ابدأ بما تحب، واستمر مهما كانت الظروف، وتوكل على الله في كل شيء
عمل الطالبة: ولاء الحرباوي
Post Views: 153 -
مقام أبو يزيد البسطامي في بتير: حكاية في ذاكرة الناس
تعود حكاية مقام أبو يزيد البسطامي، المعروف بطيفور بن عيسى، إلى القرن الثالث الهجري، حيث كان واحدًا من أبرز المتصوفين في العالم الإسلامي. عاش في المشرق واشتهر بحياة الزهد والابتعاد عن الناس، ساعيًا إلى التقرب من الله والتأمل في الخلق.
ارتبط اسمه مع مرور الوقت بعدة مناطق، من بينها بتير، حيث أُقيم مقام يُنسب إليه في فترة ما بعد صلاح الدين الأيوبي، ضمن انتشار ظاهرة بناء مقامات لأولياء الله الصالحين، تعبيرًا عن مكانتهم الروحية في المجتمع.

ومع تعاقب الأجيال، أصبح المقام جزءًا من حياة الأهالي، واكتسب دورًا يتجاوز كونه موقعًا دينيًا فقط، ليحمل طابعًا اجتماعيًا وثقافيًا في آنٍ واحد .
ففي الماضي، كان الناس يقصدون المقام لأغراض متعددة؛ منها حلف اليمين بين المتخاصمين، وتقديم النذور، وطلب البركة. كما استخدمه المزارعون كمكان آمن لوضع منتجاتهم الزراعية، اعتقادًا بأنه تحت حماية صاحب المقام، مما يبعد اللصوص عنها
وتروي الحكايات الشعبية أن بعض النساء غير المتزوجات كنّ يتوجهن إلى المقام وهنّ يرتدين ثوبًا جديدًا، حيث يقمن بإشعال الشموع والدعاء بالزواج، مع تقديم نذور مرتبطة بتحقيق هذه الأمنية. وتعكس هذه الممارسات جانبًا من التدين الشعبي الذي امتزج بعادات المجتمع وتقاليد
وهكذا، تحولت قصة أبو يزيد البسطامي من سيرة صوفي، إلى حكاية محلية متجذرة في وجدان أهل بتير، بقيت حاضرة عبر الزمن، حتى مع تغيّر دور المقام اليوم وتراجع استخدامه كما في السابق.Post Views: 118

