Uncategorized

هل أعادت الهدنة شعائر عيد الأضحى إلى غزة؟

مع انقضاء عيد الأضحى لعام 2026، استقبل سكان قطاع غزة العيد الثالث منذ اندلاع الحرب في تشرين الأول/أكتوبر 2023
وجاء العيد هذا العام بعد أشهر من سريان اتفاق وقف إطلاق النار، في وقت كان يُفترض أن يتيح مساحة لعودة بعض مظاهر الحياة التي تعطلت خلال سنوات الحرب.

إلا أن واقع العيد داخل القطاع يطرح تساؤلات حول مدى انعكاس الهدنة على الشعائر والطقوس المرتبطة بهذه المناسبة، وهو ما تتتبعه هذه القصة من خلال عدد من المؤشرات والشهادات.

تم إنشاء هذه الصورة بواسطة الذكاء الاصطناعي

للعام الثالث على التوالي، لم يتمكن سكان قطاع غزة من أداء فريضة الحج، رغم مرور أشهر على سريان اتفاق وقف إطلاق النار، لتبقى هذه الشعيرة من أبرز المظاهر التي لم تستعد حضورها في حياة سكان القطاع منذ اندلاع الحرب.

وبحسب ما أعلنته وزارة الأوقاف والشؤون الدينية الفلسطينية، لم تُسجّل أي بعثات حج من قطاع غزة خلال هذه الفترة، نتيجة استمرار القيود المرتبطة بحركة السفر وإغلاق المعابر لنقل الحجاج.

وقبل الحرب، كان آلاف الغزيين يتوجهون سنويًا إلى الأراضي المقدسة لأداء الفريضة، فيما ارتبط موسم الحج لدى كثير من العائلات بطقوس اجتماعية رافقت سفر الحجاج وعودتهم، من مراسم الوداع والاستقبال إلى اللقاءات العائلية التي كانت تشكل جزءًا من أجواء الشعيرة الدينية.

أما اليوم، فقد اقتصر حضور هذه الشعيرة بالنسبة لسكان القطاع على متابعتها عبر شاشات التلفاز ووسائل الإعلام، في مشهد يعكس الفجوة بين عودة بعض مظاهر الحياة الشكلية الجزئية بعد الهدنة، واستمرار تعطل جوانب أخرى كثيرة، منها المرتبطة بالحركة والتنقل خارج القطاع وداخله.

ولم يكن غياب الحج المؤشر الوحيد على التغير الذي أصاب شعائر العيد في غزة، إذ امتدت آثار الحرب إلى الأضاحي التي شكّلت لقرون أحد أبرز مظاهر هذه المناسبة الدينية.

ارتبطت الأضحية في قطاع غزة على مدار سنوات بجملة من الممارسات الاجتماعية التي كانت تسبق العيد وترافقه. فمنذ الأيام الأخيرة من شهر ذي الحجة، كانت الأسواق تشهد حركة نشطة، فيما كانت العائلات تستعد لتوزيع اللحوم وتبادل الزيارات بطقوس اعتادها السكان جيلاً بعد جيل.

إلا أن تراجع حضور هذه الشعيرة خلال السنوات الأخيرة لم يقتصر على جانبها الديني فحسب، بل امتد إلى تفاصيل يومية اعتادها السكان مع حلول العيد.

في التسجيل التالي، تروي ربى الكحلوت “أم يزن”، نازحة من شمال قطاع غزة وأم لأربعة أطفال، كيف انعكست هذه التحولات على تفاصيل العيد داخل أسرتها.

وتعكس شهادة أم يزن جانبًا من الواقع الذي عاشته عائلات كثيرة في قطاع غزة خلال عيد الأضحى هذا العام. إلا أن هذه الشهادات، على أهميتها، لا تختصر حجم التغيير الذي شهده القطاع، إذ تكشف المقارنة البصرية بين غزة قبل الحرب وبعدها عن فجوة واسعة بين زمنين، وتُبرز حجم الأثر الذي تركته الحرب على المكان والإنسان معًا.

في ضوء هذه المعطيات، لا تبدو عودة شعائر عيد الأضحى في قطاع غزة مسألة مرتبطة بمرور الوقت أو بوجود تهدئة بقدر ما ترتبط بمدى توفر شروط الحياة الطبيعية التي تقوم عليها هذه الشعائر. فبين استمرار القيود على الحركة، وتراجع القدرة المعيشية، وبقاء آثار الحرب حاضرة، تتشكل ملامح واقع لا تسمح فيه الظروف بإحياء الطقوس على نحوها المعتاد.

وهنا يظهر التناقض واضحًا بين حالة يُفترض أنها أكثر استقرارًا، وواقع لا يزال متأثرًا بتداعيات مستمرة.

.الخليل: أعمال بناء فوق مبنى البلدية تعيد الجدل حول حماية البلدة القديمة

تعود مدينة الخليل إلى واجهة الاهتمام الدولي مجدداً، في ظل استمرار إدراج بلدتِها القديمة والحرم الإبراهيمي على قائمة التراث العالمي لليونسكو منذ عام 2017، كأحد المواقع ذات “القيمة العالمية الاستثنائية” والمصنفة ضمن قائمة التراث المهدد بالخطر. ويأتي هذا الاهتمام المتجدد عقب تقارير إعلامية حديثة، من بينها وكالة “وفا”، أفادت بتنفيذ أعمال بناء فوق سطح مبنى بلدية الخليل القديم داخل البلدة القديمة في مايو 2026، ما أعاد طرح تساؤلات حول واقع حماية التراث في المدينة.

كان قرار اليونسكو عام 2017 بإدراج البلدة القديمة في الخليل والحرم الإبراهيمي محطة مفصلية في الاعتراف الدولي بأهمية المدينة التاريخية والدينية، باعتبارها من أقدم المراكز الحضرية المأهولة في العالم، غير أن هذا الإدراج، الذي وضع الموقع ضمن قائمة التراث العالمي المهدد بالخطر، لم ينهِ التحديات الميدانية، بل فتح باب النقاش حول مدى قدرة التصنيف الدولي على حماية النسيج العمراني في ظل الواقع السياسي والأمني المعقد.

وفقاً لما أوردته مصادر إعلامية فلسطينية، نفذت سلطات الاحتلال الإسرائيلي أعمال بناء فوق سطح مبنى بلدية الخليل القديم، الواقع في قلب البلدة القديمة في منطقة عين عسكر وأفادت بلدية الخليل، بأن مبنى البلدية القديم، المغلق بأمر عسكري من الاحتلال منذ سنوات، يُعد من المعالم التاريخية والوطنية المهمة في البلدة القديمة المصنّفة على قائمة التراث العالمي التابعة لمنظمة اليونسكو، مشيرة إلى أن أي تغيير أو اعتداء على المبنى يشكل انتهاكا واضحا لكافة المواثيق والأعراف الدولية المتعلقة بحماية التراث الثقافي والإنساني.

ولفتت إلى أن هذا البناء يأتي في خطوة تهدف إلى فرض أمر واقع جديد مخالف للقوانين المحلية والدولية، وفي إطار سياسة التغوّل الاستعماري المتواصلة بحق مدينة الخليل ومقدساتها ومبانيها التاريخية.

ويُعد هذا المبنى جزءاً من النسيج العمراني التاريخي للمدينة، ما جعل هذه التطورات تثير نقاشاً واسعاً حول مدى انسجام الأعمال الإنشائية مع معايير الحفاظ على التراث العالمي، خاصة في موقع مصنف دولياً.

ففي تسجيل صوتي ضمن، أوضح رئيس بلدية الخليل موقف البلدية من أعمال البناء الجارية فوق المبنى، مشيراً إلى أن أي تدخل فيه يثير مخاوف تتعلق بالحفاظ على الطابع التاريخي للمدينة.

 وفي ظل هذه التطورات، يعود ملف البلدة القديمة في الخليل إلى واجهة الاهتمام من جديد، باعتبارها إحدى أبرز المناطق التاريخية الفلسطينية المدرجة على قائمة التراث العالمي التابعة لمنظمة اليونسكو منذ عام 2017. ويشمل التصنيف البلدة القديمة والحرم الإبراهيمي الشريف، لما يتمتعان به من قيمة تاريخية وثقافية ودينية استثنائية.

وتُظهر المشاهد المصورة من البلدة القديمة الطابع المعماري المميز للمنطقة، حيث تتوزع المباني الحجرية والأسواق والأزقة التاريخية التي تعكس تاريخ المدينة الممتد عبر قرون طويلة. كما توثق الصور المرفقة موقع مبنى بلدية الخليل القديم الذي شهد أعمال البناء الأخيرة، وما يمثله من أهمية تاريخية ووطنية ضمن معالم المدينة القديمة.

وفي خريطة تفاعلية مرافقة للتقرير، جرى توضيح موقع مبنى البلدية القديم داخل البلدة القديمة، إلى جانب أبرز المعالم التاريخية المحيطة به، وفي مقدمتها الحرم الإبراهيمي والأسواق التراثية، بهدف إظهار العلاقة بين الموقع المستهدف والنسيج العمراني التاريخي للمنطقة.

https://photooxy.com/2026/06/6a29372151aa0.jpg-s156-b2

https://maphub.net/20230793/khryT-lbld-lqdym-fy-lkhlyl

ويأتي ذلك في وقت تؤكد فيه المؤسسات المحلية أهمية الحفاظ على الهوية التاريخية والمعمارية للبلدة القديمة، خاصة في ظل التحديات التي تواجهها المواقع التراثية المصنفة دولياً. كما تواصل الجهات المختصة متابعة المستجدات المتعلقة بأعمال البناء الأخيرة وتداعياتها على واقع التراث الثقافي في المدينة.

وبينما تستمر أعمال البناء فوق مبنى بلدية الخليل القديم في إثارة ردود فعل واسعة، يبقى ملف حماية البلدة القديمة والحفاظ على معالمها التاريخية حاضراً في المشهد، باعتباره جزءاً من الجهود الرامية إلى صون التراث الثقافي والإنساني للمدينة والحفاظ على هويتها التاريخية للأجيال الق

مروة حسين.. فلسطينية تشق طريقها في مجالات غير تقليدية

باعداد الطالبة : ريتال رياض قطوش

تواجه العديد من النساء تحديات اجتماعية واقتصادية تدفعهن إلى خوض مجالات عمل غير تقليدية، في محاولة لإثبات قدراتهن وتأمين حياة كريمة لأسرهن. وتعد تجربة
مروة حسين إحدى هذه التجارب التي تعكس قدرة المرأة الفلسطينية على تجاوز العقبات وكسر الصور النمطية المرتبطة ببعض المهن

لم تكن مروة حسين تتوقع أن ينقلب مسار حياتها بهذه السرعة. فالشابة المقدسية من بلدة جبل المكبر كانت تعيش حياة هادئة مع زوجها محمد، مدرب الكاراتيه، و كانت حامل بابنهما حسن، إلى أن تعرّض زوجها لحادث سير مروّع أفقده القدرة على الحركة. وبين ليلة وضحاها، وجدت مروة نفسها أمام مسؤوليات جديدة فرضتها الظروف، فاختارت مواجهة التحدي وتطوير نفسها لتصبح السند الأول لعائلتها

ولم تتوقف رحلة مروة عند التكيّف مع الواقع الجديد الذي فرضه الحادث، بل قادها إلى العمل على الرافعة ، وهي مهنة صعبة وخطرة نادراً ما تعمل فيها النساء. ومع انتشار مقاطعها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، لفتت أنظار الكثيرين وهي تمارس عملها على ارتفاعات شاهقة بثقة كبيرة، وكأنها تسير على الأرض

وبين الارتفاعات والمسؤوليات الكبيرة، شقت طريقها بثبات في مجال يهيمن عليه الرجال، لتثبت أن الإرادة والقدرة على التعلّم والعمل أقوى من الخوف، وأن النجاح لا يرتبط بجنسٍ معين بل بالكفاءة والإصرار

وهذا فيديو نشرته مروة على صفحتها على الانستغرام و هي تعمل فوق الرافعة

https://www.instagram.com/reel/DZMJ2ins8ou/?

لكن خلف هذه المشاهد التي لفتت انتباه المتابعين، تكمن قصة بدأت بتحدٍ كبير وانتهت بتجربة استثنائية. في المقابلة التالية، تروي مروة تفاصيل رحلتها بنفسها

https://on.soundcloud.com/hsv7VsVLSgFrE4UnnY

بإصرارها، استطاعت مروة أن تكتسب ثقة الناس من خلال تجاربها المتعددة
كل خطوة خاضتها أثبتت أنها امرأة قادرة على تجاوز الصعاب، وأنها مثال حي للمرأة المكافحة التي تصنع فرصها بنفسها

ورغم الظروف الصعبة التي مرت بها، لم يكن زوج مروة مجرد شخص يحتاج إلى الرعاية، بل بقي الداعم الأول لها في كل خطوة خطتها. فخلف كل إنجاز حققته، كان هناك تشجيع مستمر وإيمان بقدرتها على النجاح. وبين التحديات التي فرضتها الحياة والقرارات التي اتخذتها بشجاعة، استطاعت مروة أن تصنع لنفسها مساراً مختلفاً، لتتحول قصتها من تجربة مليئة بالصعوبات إلى نموذج للإصرار والتحدي. وتبقى رحلتها شاهداً على أن الإرادة قادرة على تجاوز العقبات، وأن المرأة تستطيع أن تشق طريقها في أي مجال عندما تؤمن بقدراتها وتحظى بالدعم الذي يدفعها إلى الأمام


برك سليمان… كنوز التاريخ التي يطوقها الاستيطان

 تقع برك سليمان بين بلدتي الخضر وأرطاس جنوب مدينة بيت لحم، وتُعد من أهم المنشآت المائية التاريخية في فلسطين. ويرجح عدد من الباحثين أن إنشاءها يعود إلى الفترة الهيرودية في القرن الأول قبل الميلاد، حيث شكّلت جزءًا من شبكة مائية متطورة هدفت إلى تزويد القدس بالمياه. وتتكون البرك من ثلاثة خزانات حجرية ضخمة متدرجة الارتفاع، تبلغ سعتها التخزينية نحو 450 ألف متر مكعب من المياه، ما جعلها من أكبر مشاريع تخزين المياه في المنطقة آنذاك. وقد اعتمد هذا النظام على الانحدار الطبيعي للأرض لنقل المياه عبر قنوات امتدت لعشرات الكيلومترات دون الحاجة إلى وسائل ضخ حديثة.

ولا تُعد برك سليمان مجرد شاهد على عبقرية الهندسة المائية القديمة، بل تمثل اليوم أحد أبرز المعالم التراثية والسياحية في محافظة بيت لحم، حيث تستقطب الزوار والمتنزهين على مدار العام. وفي الوقت ذاته، تحولت إلى موقع حاضر في النقاشات المتعلقة بالهوية والتراث الفلسطيني، خاصة مع وقوعها بالقرب من مستوطنة “إفرات” المقامة على أراضٍ فلسطينية جنوب بيت لحم. وبين تاريخها الممتد لأكثر من ألفي عام وواقعها المعاصر، تظل برك سليمان نموذجًا لتداخل الإرث التاريخي مع التحديات التي تواجه المواقع التراثية الفلسطينية اليوم.

https://docs.google.com/spreadsheets/d/e/2PACX-1vRl4EqXZlMA_dpuBf7Ut64AviMmfbpIIMFlAhXC14YNvln0dN36byxeNkvy76bVhFPjPvgnCnnHzfj1/pubhtml

لا تكمن أهمية المنطقة المحيطة ببرك سليمان في موقعها الجغرافي فحسب، بل في كونها جزءًا من مشهد تاريخي وثقافي يمتد لقرون. وتقع البرك ضمن نطاق بلدة أرطاس التي عُرفت تاريخيًا بوفرة ينابيعها وأراضيها الزراعية، الأمر الذي جعلها مركزًا مهمًا لتجميع المياه وإدارتها في جنوب فلسطين.

ويكتسب الموقع حساسية خاصة بسبب قربه من مستوطنة “إفرات”، إحدى المستوطنات المقامة جنوب بيت لحم ضمن تجمع “غوش عتصيون” الاستيطاني. ويرى مهتمون بالتراث أن التوسع العمراني في المنطقة يشكل تحديًا للحفاظ على الطابع التاريخي والثقافي للمكان، خاصة أن برك سليمان لا تمثل مجرد موقع أثري، بل جزءًا من الذاكرة الفلسطينية المرتبطة بالمياه والزراعة والحياة اليومية عبر العصور.

كما أن أهمية البرك اليوم تتجاوز بعدها التاريخي، إذ تحولت إلى متنفس طبيعي ومقصد للزوار والرحلات المدرسية والفعاليات الثقافية. وبين قيمتها السياحية ومكانتها التراثية والتحديات المحيطة بها، تبقى برك سليمان واحدة من أبرز المواقع التي تعكس التداخل بين التاريخ والجغرافيا والواقع المعاصر في محافظة بيت لحم. 

المصدر:( Palsport News Agency (Facebook

أصبحت البرك في الفترة الأخيرة جزءًا من الجدل الدائر حول الهوية والرواية التاريخية للمكان. فبحكم موقعها القريب من مستوطنة “إفرات”، شهدت المنطقة أحداثًا ونشاطات أثارت تفاعلًا واسعًا بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

ومن أبرز هذه الأحداث ما جرى بعد انتشار مقاطع وصور لمستوطنين في محيط برك سليمان وهم يرفعون العلم الإسرائيلي داخل الموقع، الأمر الذي أثار ردود فعل فلسطينية واسعة. وفي المقابل، ظهر الفلسطيني محمد اللحام في صور ومقاطع مصورة وهو يقفز في برك سليمان رافعًا العلم الفلسطيني، في خطوة اعتبرها كثيرون رسالة تؤكد ارتباط الموقع بالهوية والتراث الفلسطيني.

ويعكس هذا التفاعل أن برك سليمان لم تعد مجرد شاهد على التاريخ، بل أصبحت أيضًا جزءًا من النقاش المعاصر حول حماية التراث والحفاظ على الرموز الثقافية الفلسطينية في المناطق المحيطة بمدينة بيت لحم.

لم تعد برك سليمان مجرد أثر تاريخي يروي قصة المياه في فلسطين، بل أصبحت شاهدًا على التداخل بين التاريخ والهوية والواقع المعاصر. وبينما تستمر في استقبال الزوار وتوثيق ذاكرة المكان، يبقى الحفاظ عليها مسؤولية جماعية لضمان بقاء هذا الإرث الفلسطيني حيًا في وجه التحديات المختلفة، وليظل شاهدًا على تاريخ يمتد لأكثر من ألفي عام.

مؤرّخ الذاكرة المطبوعة.. رامي النابلسي حارس أرشيف القدس المنسي

في أزقة البلدة القديمة بالقدس المحتلة، وتحديداً في “عقبة السرايا”، يقع محل رامي النابلسي؛ الرجل الذي تجذّر في أرضه وارتبط بها ليصبح أكثر من مجرد صائغ، بل هو مؤرّخ وأرشيفي مقدسي اتخذ من مكانه مركزاً لحماية الذاكرة الفلسطينية؛ حيث يتفرّغ لجمع المطبوعات، والورقيات، والوثائق النادرة التي تنبض بالتاريخ، ليعيد صياغة رواية المدينة ويحفظ هويتها من الضياع والنسيان.

شواهد الوجود: كنز الوثائق المطبوعة


الوثيقة بالنسبة لرامي هي جوهر الأرشفة والدليل الثابت على تفاصيل الحياة الفلسطينية وتطورها. يفتح الأرشيفي المقدسي دفاتر وسجلات الماضي ليُري العالم مطبوعات نادرة؛ من بينها رخصة قيادة فلسطينية رسمية تعود لعام 1949، وتذاكر قطار خط (يافا – القدس) التاريخي، بالإضافة إلى “دليل التجارة والصناعة والحرف لعام 1937” الذي يوثق حركة الشركات والأسواق المتكاملة قبل النكبة، كشاهدٍ حي لا يقبل التشكيك

من كم المواد اللي وقعت تحت إيدي، عرفت إنه عنجد إحنا كنا شعب متطور في الثلاثينيات وبالعشرينيات وما قبل ذلك” — رامي النابلسي

معركة الإنقاذ: الأرشيف يعبر الحدود
عملية الأرشفة بالنسبة لرامي لا تتوقف عند حدود التجميع، بل هي معركة إنقاذ حقيقية ضد الضياع والتلف، بل وملاحقة جغرافية للمواد التاريخية وترميمها في عواصم عالمية لتعود حية إلى القدس. العديد من هذه النوادر أُنقذت حرفياً من الحاويات، والبعض الآخر سافر ليعاد إحياؤه.
الأرشيف لا يعترف بالحدود عندما يتعلق الأمر بإنقاذ الهوية، ولم تقف جدران عقبة السرايا عائقاً أمام النابلسي. يوضح الإنفوجرافيك التفاعلي التالي جغرافية رحلة الإنقاذ، والترميم، والمصادر لمقتنيات الأرشيف المنسي

الذاكرة الحية كنا وما زلنا شعباً متعلماً ومبتكراً
بصوته المليء بالفخر وبعفويته المقدسيّة، يروي الأرشيفي رامي النابلسي في هذا التسجيل الصوتي لمحات من التاريخ الاجتماعي والثقافي لفلسطين في العشرينيات والأربعينيات؛ مستشهداً بالبعثات التعليمية ومئات الأساتذة الفلسطينيين الذين انطلقوا ليتولوا سلك التعليم في دول الخليج العربي كالكويت وغيرها من الدول

حراس الذاكرة.. خط الدفاع الأخير
لم تكن جدران عقبة السرايا يوماً مجرد دكان عتيق لبيع التحف، بل هي حصن مواجهة حقيقي في معركة إثبات الوجود. إن كل وثيقة ينفض عنها رامي النابلسي الغبار اليوم، هي صك ملكية حيّ يثبت عروبة الفضاء التاريخي والاجتماعي للمدينة المقدسة. ومع كل زائر يطرق بابه، يتأكد أن قيمة الأرشيف لا تكمن في قِدم أوراقه، بل في قدرته على حراسة الرواية الأصلية ونقل الأمانة كاملة إلى عقول الأجيال القادمة، لتبقى الحكاية عصية على النسيان.”

من التأسيس إلى اليوم: أسرار وتاريخ دير مار سابا

على حافة وادي القلط، وبين الصخور التي احتضنت التاريخ لقرون طويلة، يقف دير مار سابا شامخًا كأحد أبرز المعالم الدينية والتراثية في فلسطين. يتميز بموقعه الفريد وهندسته المعمارية المدهشة التي تنسجم مع طبيعة المكان، ليحكي قصةً من الصمود والإيمان والعراقة. ولا يقتصر جمال الدير على تاريخه فحسب، بل يمتد إلى المشهد الطبيعي الخلاب المحيط به، مما يجعله وجهةً تجمع بين التراث والثقافة وروعة الطبيعة في آنٍ واحد.

“لا تُظهر هذه الصورة مجرد مبنى أثري، بل تحكي قصة صمودٍ امتدت لأكثر من خمسة عشر قرنًا. يقف دير مار سابا شامخًا بين جبال البرية شاهدًا على تاريخ ديني وثقافي عريق، حيث اجتمعت الروحانية مع قسوة الطبيعة لتصنع واحدًا من أهم المعالم التاريخية في فلسطين. ومن خلال بودكاستنا نسلط الضوء على أسرار هذا المكان، وتاريخه، ورموزه، وأهميته التي ما زالت حاضرة حتى يومنا هذا.”

تأسس الدير عام 483م على يد القديس سابا. يُعد من أقدم الأديرة المأهولة بشكل مستمر في العالم. بُني على سفوح الجبال الصخرية، لذلك يبدو وكأنه جزء من الطبيعة المحيطة. يتميز بطرازه المعماري الفريد الذي يجمع بين الأبنية الحجرية والقباب والأسوار المرتفعة. لعب الدير دورًا مهمًا في التاريخ الديني والثقافي للمنطقة على مدار أكثر من 1500 عام. يقصده الزوار والحجاج من مختلف أنحاء العالم للتعرف على تاريخه العريق ومشاهدة موقعه الفريد.

يبقى دير مار سابا شامخًا بين الصخور، نقف أمام صرحٍ لا تروي جدرانه قصة حجرٍ وبناءٍ فحسب، بل تحكي حكاية إيمانٍ وصمودٍ امتدت عبر القرون. فبين الصخور الشاهقة وهدوء الصحراء، يظل الدير شاهدًا على تاريخٍ عريقٍ وتراثٍ روحيٍ وإنسانيٍ فريد. إن تأمل هذا المكان يمنحنا شعورًا بالرهبة والإعجاب، ويذكرنا بأهمية الحفاظ على معالمنا التاريخية التي تحمل في طياتها ذاكرة الشعوب وهويتها الأصيلة

بيسان تعامرة

من الهواية إلى المهنة: كيف يصنع الشغف مستقبل الشباب؟

في الوقت الذي ينظر فيه كثير من الشباب إلى الهوايات على أنها وسيلة للترفيه وقضاء أوقات الفراغ، ينجح آخرون في تحويلها إلى مسار مهني يفتح أمامهم فرصًا جديدة للعمل والتطور. وبين الشغف والالتزام، تبرز تجارب شبابية تثبت أن الموهبة قد تكون أكثر من مجرد اهتمام شخصي، بل خطوة أولى نحو بناء مستقبل مهني. ومع التغيرات المتسارعة في سوق العمل وظهور مجالات جديدة تعتمد على المهارات الفردية والإبداع، أصبحت الهوايات تمثل فرصة حقيقية لاكتشاف القدرات وتطويرها واستثمارها في تحقيق أهداف مهنية واقتصادية. وفي هذا السياق، تبرز تجارب شبابية استطاعت أن تثبت أن ما يبدأ كهواية بسيطة قد يتحول مع الوقت إلى مصدر دخل ومسار مهني مستدام.

لم تتحول الهواية إلى مصدر دخل بين ليلة وضحاها، بل احتاج الأمر إلى سنوات من التعلم والتدريب واكتساب الخبرة العملية. ويوضح أنطون أن أولى الفرص التي حصل عليها جاءت بعد فترة طويلة من الممارسة، عندما طُلب منه المشاركة في إحدى المناسبات المحلية. ويصف تلك التجربة بأنها شكلت نقطة تحول مهمة في مسيرته، إذ أدرك للمرة الأولى أن المهارة التي طورها على مدار سنوات يمكن أن تفتح له بابًا للعمل وتحقيق دخل من خلال شيء يحبه ويستمتع بممارسته.

ومع تزايد عدد المشاركات والمناسبات التي أحياها، بدأ ينظر إلى العزف باعتباره أكثر من مجرد هواية. فقد ساعدته هذه التجربة على بناء شبكة من العلاقات المهنية، واكتساب خبرة في التعامل مع الجمهور، وتطوير مهاراته الفنية بشكل مستمر. كما منحته شعورًا بالإنجاز والثقة بقدرته على تحويل شغفه إلى نشاط مهني حقيقي.
ورغم ذلك، لم تكن الطريق خالية من التحديات، إذ تطلبت المحافظة على مستوى جيد من الأداء ساعات طويلة من التدريب والالتزام، إلى جانب القدرة على التوفيق بين المسؤوليات اليومية ومتطلبات تطوير الموهبة. كما فرضت طبيعة العمل الموسيقي عليه مواصلة التعلم والتدريب لمواكبة التطورات وتحسين أدائه باستمرار.

لا تقتصر أهمية الهوايات على الجانب المهني فقط، إذ يرى مختصون أن ممارستها تسهم في تنمية مجموعة واسعة من المهارات الشخصية والاجتماعية. ويشير أحد المختصين في التنمية المهنية إلى أن الهوايات تساعد الأفراد على اكتشاف نقاط القوة لديهم، كما تعزز الثقة بالنفس وتنمي مهارات التواصل وحل المشكلات والعمل الجماعي. ويؤكد أن هذه المهارات أصبحت مطلوبة في مختلف المجالات المهنية، ما يجعل للهوايات دورًا يتجاوز حدود الترفيه إلى المساهمة في إعداد الأفراد للحياة العملية. 

تعكس تجربة أنطون واحدة من نماذج عديدة لشباب استطاعوا تحويل هواياتهم إلى فرص مهنية حقيقية. وبينما تختلف المواهب من شخص إلى آخر، يبقى العامل المشترك هو الإصرار على التعلم والاستمرار في تطوير المهارات وعدم الاكتفاء باعتبار الهواية نشاطًا ثانويًا أو مؤقتًا. فالموهبة وحدها قد تكون بداية الطريق، لكن الالتزام والعمل المتواصل هما ما يحولانها إلى إنجاز ملموس وفرصة حقيقية للنمو والتقدم.

وفي ظل التحديات التي يواجهها الشباب في سوق العمل، تبدو الهواية اليوم أكثر من مجرد وسيلة للتسلية أو قضاء الوقت، بل فرصة يمكن أن تسهم في رسم ملامح المستقبل المهني وتعزيز الاستقلالية وتحقيق الطموحات الشخصية. وتؤكد هذه التجارب أن الشغف، عندما يقترن بالإرادة والعمل الجاد، قد يكون نقطة الانطلاق نحو مستقبل يصنعه الفرد بنفسه.

روجينا سلسع

سيدة الارض والطبشور :نعمة قصقص تروي حكاية الصمود في بتير

في عمق الريف الفلسطيني، حيث تعانق المدرجات الزراعية السماء، وتهمس مياه الينابيع بأسرار أجدادٍ سكنوا هذه التلال منذ آلاف السنين، تتربع قرية “بتير” كأعجوبة هندسية حية. هنا، لا تروي المياه الأرضَ فحسب، بل تروي حكاية شعبٍ تشبّث بهويته من خلال الصخور المفتتة والتراب المجبول بالعرق. في هذا الفضاء الممتد بين سحر الطبيعة وإرث التاريخ، برزت نساءٌ لم يكتفين بكونهن شاهدات على جمال القرية، بل صرن حارسات لإرثها.

فبين أصوات الطباشير التي كانت تخط المستقبل على السبورة وصوت الفأس الذي يضرب في عمق التراب ليعيد الحياة للجذور هنا تشكلت حكاية الحجة نعمة قصقص لم تكن نعمة مجرد معلمة عادية تمر على الصفوف وتغادر بل كانت تبذر القيم في عقول طلابها صباحا لتعود مساءً وتبذر الأمل في أراضيها الكثيرة التي تنتشر في أرجاء بتير .كرست حياتها بالكامل لهذه الثنائية فلم تسمح للوظيفة أن تبعدها عن عشق الأرض .ولم تترك أراضيها لتواجه خطر الإهمال بل جعلت من مهنتها وعملها مزارعة رسالة صمود وتحدٍ تؤكد فيها أن الهوية الفلسطينة تحمى بالعلم وتثبت بالفلاحة.

ولكي تقترب أكثر من ملامح هذه المسيرة الإنسانية الفريدة، وتلمس بنفسك تلك الروح التي تجمع بين هيبة التعليم وعنفوان الفلاحة، ندعوك للتأمل في هذه الإطلالة من قلب الميدان:

عرض f45633ea-44ba-4233-84d3-8fbfd8fc9baa.jpeg

تأتي هذه الملامح الواثقة لتختصر في تفاصيلها عقودا من العطاء المزدوج . فبينما تجلس الحجة نعمة هنا محاطة بثمار ارضها وخيرات بتير التي صنعتها بيديها . نرى في خطوط وجهها خارطة طريق لامرأة أثبتت أن رعاية الأرض لا تقل قدسية عن تربية العقول وأن تحويل التراب الى مواسم وعطاء هو خط الدفاع الأول عن الهوية والوجود.

من غربة الكويت إلى جذور بتير.. ثنائية العطاء

خلف الهدوء الذي يلف أراضي الحجة “نعمة قصقص”، تكمن رحلة كفاح طويلة شكلت وعيها وشغفها بالأرض. بدأت حكايتها بعد نيلها شهادة الثانوية العامة (التوجيهي) وحصولها على دبلوم في التدريس، لتنطلق في رحلة غربة قادتها إلى دولة الكويت، حيث أمضت هناك سنوات في سلك التعليم، تنير عقول المغتربين وأبناء الجالية. ورغم استقرار الحياة هناك، كان حنين بتير ومدرجاتها يتردد في صدى روحها، فقررت العودة إلى مسقط رأسها في فلسطين لتكمل الرسالة التي بدأت.

لم تكن العودة سهلة، لكن إرادة الحجة نعمة كانت أقوى؛ فتقدمت فوراً للوظيفة الحكومية واستأنفت مسيرتها كمعلمة للأجيال في المدارس المحلية. وهنا، تجلت معجزتها اليومية في إدارة الوقت وإعادة ترتيب أولويات الحياة؛ فبين يديها اللتين تمسكان بالطبشور في الصباح، كانت تمسك بالفأس عند المساء. نجحت في صياغة معادلة استثنائية وازنت فيها بين متطلبات أسرتها وتربية أطفالها، وبين واجبها المهني في المدرسة، وعشقها اللامتناهي لأراضيها المتعددة التي تولت رعايتها والاهتمام بها بنفسها، معتبرة أن كل شبر تزرعه هو إرث لا يمكن التفريط به.

هذه التربية المتكاملة، وهذا التوازن بين بناء الإنسان وعمارة الأرض، جعلا الحجة نعمة تنظر إلى بتير ليس كمجرد مكان للسكن، بل ككيان حي ينبض بالنظام والتاريخ. ولأنها ترى في نظام ري القرية وجغرافيتها انعكاساً لمنظومة الصمود والعطاء التي عاشتها، نترككم مع هذا المقطع البصري الشامل، حيث تأخذنا الحجة “نعمة” في جولة وصفتها بعيونها، لتحدثنا عن بتير، وما تشتهر به، والسر الكامن وراء أعجوبة نظام الري التقليدي فيها:

بين كلمات الحجة “نعمة” العفوية المليئة بالحب وانسياب المياه في قنوات بتير خلال مقطع الفيديو، ندرك أن الزراعة هنا ليست مجرد مهنة، بل هي هندسة حياة وتوارث أجيال. فالنظام الصارم والمحكم الذي تروي به الحجة أراضيها اليوم يتطابق تماماً مع ذات النظام والدقة التي أدارت بها وقتها طوال عقود بين أسرتها، وطلابها في المدرسة، ورعاية أراضيها الكثيرة.

إن حديث الحجة “نعمة” وملامحها الممزوجة بتراب بتير يقدمان نموذجاً مشرفاً للمرأة الفلسطينية التي لم تتنازل يوماً عن دورها الطليعي؛ فبينما كانت تصنع جيل المستقبل بوعيها وعلمها، كانت تحمي جغرافيا الوطن بفأسها وسقايتها، لتثبت للعالم أجمع أن الأرض لا تموت ما دام هناك أمهات ومربيات يرضعن أبناءهن حب الجذور، ويحرسن الينابيع والمدرجات بأهداب العيون، ويجعلن من صمودهن اليومي حكاية فخر تتوارثها الأجيال صلبة لا تنكسر

لغة الأرقام.. كيف تتقاسم عائلات بتير الحياة؟بين كلمات الحجة “نعمة” العفوية المليئة بالحب وانسياب المياه في قنوات بتير خلال مقطع الفيديو، ندرك أن الزراعة هنا ليست مجرد مهنة، بل هي هندسة حياة وتوارث أجيال. فالنظام الصارم والمحكم الذي تروي به الحجة أراضيها اليوم يتطابق تماماً مع ذات النظام والدقة التي أدارت بها وقتها طوال عقود بين أسرتها، وطلابها في المدرسة، ورعاية أراضيها الكثيرة.

النظام الفريد الذي تحدثت عنه الحجة “نعمة” في مقطع الفيديو ليس مجرد تنسيق عفوّي أو ودي بين جيران، بل هو شبكة هندسية واجتماعية معقدة تعود جذورها التاريخية إلى العهد الروماني، وتُعرف محلياً بنظام “الري التقليدي” أو قنوات التوزيع. هذا النظام لا يترك مجالاً للمصادفة؛ فكل قطرة ماء تخرج من ينابيع بتير محسوبة بدقة بالغة وموزعة كحصص زمنية محددة بالساعات والدقائق بين عائلات القرية الرئيسية (مثل عائلة قصقص، البطمة، وعوينة) لضمان سقاية كافة المدرجات بالتناوب.ولأن أراضي الحجة “نعمة” متعددة وتنتشر في أرجاء مختلفة من القرية، فإن إدارة ريها يعتمد بالكامل على فهم هذا التقسيم العبقري. ولكي نختصر تعقيد هذا الإرث التاريخي المسجل لدى اليونسكو، ونحوله إلى لغة بصرية رقمية سهلة القراءة، تلخص لنا البيانات التالية ملامح منظومة الري وتوزيع الحصص المائية في بتير:

لا يمثل المخطط الدائري أعلاه مجرد تقسيم مائي عشوائي، بل هو وثيقة اجتماعية تعكس الخارطة الديموغرافية والتاريخية لقرية بتير وعائلاتها العريقة؛ حيث يضمن هذا النظام توزيعاً جغرافياً دقيقاً يغطي كافة أراضي السقاية في البلدة:

 كتلة عائلة قصقص (25%): وتتركز أراضيها الزراعية ومدرجاتها في مناطق قريبة من عيون الماء الرئيسية وفي الأودية المحيطة، وتعتمد على هذا الربع لإتمام دورة ري كاملة ومحسوبة بالدقائق.

 كتلة عائلة البطمة (25%): وتدير تاريخياً مساحات واسعة من المدرجات الزراعية الوسطى، وهي شريك أساسي في الحفاظ على قنوات الري الحجرية (القنوات الرومانية) من الانجراف والاندثار.

 كتلة عائلة عوينة (25%): وتتوزع حصتها المائية بين أراضيها في السهول والمدرجات المرتفعة، وتتميز بنظام داخلي صارم في تدوير الساعات لضمان عدم جفاف التربة في المواسم الجافة.

 حصة عائلات بتير الأخرى (25%): وهي الحصة الأكبر من حيث التنوع الاجتماعي، حيث تتقاسمها بالتكافل والتناوب العائلات العريقة الأخرى في القرية لضمان العدالة الكاملة، وتضم:

 عائلة القيسي وعائلة الشامي: اللتان تمتلكان أراضٍ ممتدة على طول المنحدرات الجبلية المحاذية لخط السكة الحديدية التاريخي.

 عائلة عبيد الله وعائلة معمر: وتتركز مساهماتهما في حماية عيون الماء الفرعية وإدارة الحصص المخصصة للمزارعين الصغار.

 عائلة النجار: وتتكامل حصتها مع بقية العائلات في فلاحة المدرجات المتاخمة لقلعة بتير الأثرية.

إن هذا التكامل العائلي الفريد هو الذي جعل من بتير نموذجاً عالمياً للإدارة البيئية والتراثية، وأثبت للعالم (ولمنظمة اليونسكو) أن صمود هذه المدرجات الخضراء عبر مئات السنين يعود إلى توزيع الأدوار والمسؤوليات بين كافة عائلات وجذور القرية دون استثناء.

لكي ندرك أبعاد العبقرية الهندسية والتراثية التي تميزت بها قرية بتير، لا بد من قراءة موقعها الجغرافي وسياقها على خارطة فلسطين؛ فالأرض هناك ليست مجرد مساحات خضراء معزولة، بل هي شبكة حية وممتدة من المدرجات الأثرية وعيون الماء التي تنبض بالحياة منذ آلاف السنين

في الخارطة التفاعلية التالية، نستعرض معكم موقع قرية بتير بالنسبة لفلسطين، ونُسلط الضوء على المعالم الجغرافية وعيون الماء التاريخية التي تشكل شريان الحياة والصمود للمزارعين هناك

كيف تتوزع الينابيع في الضفة الغربية؟

تُظهر الألوان المتباينة على الخارطة تفاوتاً ملحوظاً في الكثافة المائية والبيئية بين المحافظات الفلسطينية، حيث تم تقسيمها بناءً على تركز عيون الماء والينابيع الطبيعية التي تشكل العمود الفقري للزراعة التقليدية:

 المناطق البيئية الأكثر كشافة (بيت لحم والخليل): تتربع محافظة بيت لحم في مقدمة الخارطة، حيث تحتضن قرية بتير بنظامها المائي الفريد؛ إذ يعتمد المزارعون هناك على قنوات الري الرومانية لتوزيع المياه على المدرجات بالتساوي. تلتقي هذه الجغرافيا مع الخليل ورام الله ليشكلوا معاً المثلث الأكبر في وسط وجنوب الضفة للينابيع التي تغذي البساتين الممتدة.

 امتداد السفوح الجبلية (نابلس، جنين، وطولكرم): تظهر هذه المحافظات بتدرج لوني متوسط، وهي تعتمد تاريخياً على مياه الأمطار والينابيع الجبلية لري زراعة الحبوب والخضار، وتشكل سلة الغذاء الشمالية للضفة الغربية.

 مناطق الشريط الغربي والأغوار (قلقيلية، سلفيت، طوباس، وأريحا): تقع في تدرج لوني مختلف؛ حيث تعتمد أريحا والأغوار على ينابيع كبرى محددة (مثل عين السلطان)، بينما تعتمد قلقيلية وسلفيت على الحوض المائي الغربي والآبار الارتوازية أكثر من عيون الماء السطحية، مما يخلق سياقاً زراعياً مختلفاً تماماً عن مدرجات بتير المائية الأثرية.

هذا التوزيع الجغرافي ليس مجرد أرقام، بل هو المساحة التي يتحرك فيها المزارع الفلسطيني يومياً لحماية أرضه. وفي قلب محافظة بيت لحم التي تميزت في خارطتنا، تتجسد هذه العلاقة بين الإنسان والماء في تفاصيل حياة الحجة نعمة قسيس; المعلمة والمزارعة البتيرية التي لم تكتفِ بتلقين الدروس في الغرف الصفية، بل حوّلت مدرجات بتير الأثرية إلى صفٍ مفتوح يعلم الأجيال معنى الصمود والتمسك بكل قطرة ماء تتدفق من عيون القرية التاريخية

في الختام، تتجاوز قرية بتير حدود الجغرافيا المكتوبة على الخرائط التفاعلية والأرقام الصماء؛ لتصبح نموذجاً حياً وشاهداً على علاقة أزلية بين الإنسان الفلسطيني وأرضه. إن التدرج اللوني الذي يضع بيت لحم ومدرجات بتير المائية في مقدمة الوعي البيئي، هو ذاته التدرج الذي يصيغ يوميات الصمود التي تقودها نساء ورجال القرية لحماية تراث أدرجته اليونسكو على قوائمها، لكن أهل الأرض أدرجوه أولاً في قلوبهم ووصاياهم.

ومن غرف الصف المدرسية إلى قنوات الري الأثرية، تبقى المسافة التي تقطعها الحجة نعمة قصقص يومياً هي المساحة الحقيقية للحرية والبقاء. فكل شتلة تزرعها، وكل قطرة ماء توجهها بعصاها لتسير في قنوات بتير التاريخية، هي درس عملي في الانتماء يتجاوز السطور والكتب.

بين توثيق الكاميرا، وتفاصيل الصور، والبيانات الرقمية، تظل الحقيقة الأبرز في بتير: أن عيون الماء هناك قد تخضع لتقسيم الساعات والعائلات، لكن تدفقها نحو الحرية والصمود لا يمكن أن يحده زمان أو مكان، طالما أن في الأرض عروقاً تنبض بالإصرار كعروق الحجة نعمة.

من شوارع الماراثون إلى ساحات المخيمات.. بيت لحم تستعيد نبضها بعد الحرب

عودة الحياة بعد شهور من الصمت

بعد شهور طويلة فرضتها الحرب على قطاع غزة وما رافقها من حالة حزن وترقب وانكماش للأنشطة العامة في مختلف المحافظات الفلسطينية، بدأت مدينة بيت لحم تستعيد شيئًا من حركتها المجتمعية. فمع انتهاء العام الدراسي وحلول فصل الصيف، عادت المخيمات الصيفية إلى المراكز والنوادي والساحات العامة، بالتزامن مع عودة فعاليات جماهيرية بارزة كان أبرزها ماراثون فلسطين الدولي. هذه العودة لم تأتِ بوصفها مجرد استئناف لأنشطة موسمية، بل حملت دلالات أعمق تتعلق بحاجة المجتمع، وخاصة الأطفال والشباب، إلى مساحات آمنة للتفاعل والتعلم والتعبير عن الذات بعد فترة استثنائية تركت آثارًا نفسية واجتماعية واضحة على مختلف الفئات

لمخيمات.. متنفس ينتظره الأطفال كل عام

يرى الأمين سند، الذي عمل لسنوات منشطًا في عدد من المخيمات الصيفية بمحافظة بيت لحم، أن عودة المخيمات هذا العام تحمل أهمية استثنائية مقارنة بالأعوام السابقة، في ظل الظروف التي عاشها الأطفال خلال الأشهر الماضية.

ويقول المنشط إن المخيمات لا تمثل مجرد برنامج صيفي أو أنشطة ترفيهية عابرة، بل تشكل مساحة ينتظرها الأطفال بفارغ الصبر من أجل الخروج من الروتين والضغوطات التي فرضتها الأحداث الأخيرة على حياتهم اليومية.

وأضاف أن الأطفال عاشوا فترة طويلة من القلق والمتابعة المستمرة للأحداث، الأمر الذي جعل حاجتهم إلى مساحات اللعب والتفاعل أكبر من أي وقت مضى، موضحًا أن المخيمات تتيح لهم فرصة التعبير عن أنفسهم وبناء صداقات جديدة واكتشاف مواهبهم في بيئة آمنة.

لمخيمات.. متنفس ينتظره الأطفال كل عام

يرى الأمين سند، الذي عمل لسنوات منشطًا في عدد من المخيمات الصيفية بمحافظة بيت لحم، أن عودة المخيمات هذا العام تحمل أهمية استثنائية مقارنة بالأعوام السابقة، في ظل الظروف التي عاشها الأطفال خلال الأشهر الماضية.

ويقول الطليع إن المخيمات لا تمثل مجرد برنامج صيفي أو أنشطة ترفيهية عابرة، بل تشكل مساحة ينتظرها الأطفال بفارغ الصبر من أجل الخروج من الروتين والضغوطات التي فرضتها الأحداث الأخيرة على حياتهم اليومية.

وأضاف أن الأطفال عاشوا فترة طويلة من القلق والمتابعة المستمرة للأحداث، الأمر الذي جعل حاجتهم إلى مساحات اللعب والتفاعل أكبر من أي وقت مضى، موضحًا أن المخيمات تتيح لهم فرصة التعبير عن أنفسهم وبناء صداقات جديدة واكتشاف مواهبهم في بيئة آمنة.

دعم نفسي ومساحات آمنة للأطفال

لا تقتصر أهداف المخيمات الصيفية على الترفيه فحسب، بل أصبحت تلعب دورًا مهمًا في دعم الصحة النفسية للأطفال. فبعد أشهر من متابعة الأخبار والأحداث المؤلمة وما رافقها من مشاعر القلق والخوف، توفر المخيمات بيئة آمنة تساعد الأطفال على استعادة روتينهم اليومي والتفاعل مع أقرانهم.

ويشير مختصون في التربية والعمل المجتمعي إلى أن الأنشطة الجماعية والألعاب التعاونية والفنون المختلفة تساهم في تخفيف الضغوط النفسية وتعزز الشعور بالأمان والانتماء لدى الأطفال، خصوصًا في المجتمعات التي تعيش ظروفًا استثنائية.

صيف يحمل رسائل أمل

بينما عادت خطوات العدائين إلى شوارع بيت لحم عبر الماراثون، عادت أصوات الأطفال لتملأ ساحات المخيمات الصيفية. مشهدان يبدوان مختلفين في الشكل، لكنهما يلتقيان في المعنى؛ فكل منهما يعبر عن رغبة المجتمع في استعادة حياته الطبيعية والحفاظ على مساحاته الإنسانية رغم ما خلفته الحرب من آثار ثقيلة.

وفي وقت ما زالت فيه التحديات قائمة، تبدو المخيمات الصيفية أكثر من مجرد نشاط موسمي؛ إنها مساحة للأمل والتعلم والتعافي، ورسالة تؤكد أن الأطفال سيبقون في قلب أي محاولة لبناء مستقبل أكثر استقرارًا وحيوية.

كيف تحولت آثار بلدة سلوان إلى شريان مالي للمستوطنين؟

في قلب القدس، وعلى بعد أمتار قليلة من أسوار البلدة القديمة، تلتقي الرواية التاريخية بالواقع السياسي الصعب في بلدة سلوان. تحت مسمى “السياحة وعلم الآثار”، يمتد فوق الأرض وتحتها مشروع تهويدي متكامل، والهدف منه إعادة صياغة هوية المكان جغرافياً وتاريخياً. تسلط هذه القصة الضوء على خفايا هذا المشروع، بدءاً من ينابيع المياه المحاصرة، مروراً بشبكات الأنفاق التي تهدد بيوت المقدسيين، وصولاً إلى المجمعات التهويدية الضخمة ومصادر تمويلها

السيطرة لم تقف عند حدود حرمان الأهالي من عين مائهم التاريخية وتصدع منازلهم بسبب الحفريات المستمرة تحت الأرض، بل تحول هذا الإرث المنهوب إلى ماكينة اقتصادية ضخمة تدر ملايين الشواكل سنوياً.
خلف هذا المشهد كاملاً، تقف جمعية “إلعاد” الاستيطانية، وهي الجهة الأساسية التي منحتها سلطات الاحتلال صلاحية إدارة هذه المواقع الأثرية بالكامل. تستغل الجمعية تدفق السياح الأجانب والمحليين لتحقيق أرباح مالية ضخمة، وتقوم بضخ هذه الأموال مباشرة لتوسيع البؤر الاستيطانية والتضييق على الوجود الفلسطيني في سلوان.

المخطط الاستيطاني لم يعد يقتصر على الحفريات الأرضية أو شراء العقارات فقط، بل انتقل إلى مرحلة البناء العملاق على المداخل الرئيسية للبلدة. ويتجسد هذا بوضوح في مجمع “مدينة الحجاج” أو ما يسمى بمجمع “كيدم”. في هذا المقطع القصير، نتابع تفاصيل هذا المركز ومخططاته الخطيرة على جغرافيا المنطقة

بين عين ماءٍ عذبة أصبحت زيارتها مشروطة بتذكرة تدعم الاستيطان، وأنفاقٍ تفرغ الأرض من أسفل منازل الفلسطينيين، ومجمعات سياحية ضخمة تحاصر البلدة؛ تواصل سلوان صمودها في وجه جبهة سياحية وأثرية منظمة، تستخدم التاريخ كغطاء لفرض السيطرة التامة على هوية القدس وجغرافيتها

Scroll to top