
تعتبر مهنة النجارة في فلسطين إرثاً حضارياً وصناعياً يمتد لسنوات طويلة، وهي ليست مجرد عمل أو حرفة عادية، بل هي “بحر عميق و محيط” نظراً لما تحتويه من تفاصيل دقيقة ومعقدة في التصميم والتنفيذ،. والنجارين في فلسطين هم “حقل من الصنائعية المتمرسين والمحترفين” يجسد واقع هذه المهنة التي تعتمد على القدرة على صنع “شيء من لا شيء”، وتحويل ألواح الخشب الصماء إلى قطع فنية وديكورات تضفي جمالاً على المكان.
بينما تضج فلسطين بصناعها المهرة، يطل علينا السيد أمجد العتيق ابن مدينة الدوحة ببيت لحم، ليأخذنا في رحلة داخل مهنة النجارة التي عاشها كشغف وتخصص. يتخصص أمجد في الموبيليا والفرش المنزلي، من خزائن وأبواب ديكورية ومطابخ، حيث يقضي ساعات طويلة في منجرته ليحول الألواح الخشبية الصماء إلى قطع فنية تضفي روحاً على المنازل. هو لا يبحث عن الإنجاز السريع، بل يعتمد على الخبرة الطويلة والمهارة التي صقلها التعب والوقت، مؤمناً بأن العمل المتقن هو الذي يبني جسور الثقة مع الناس.
النجارة أو مهنة النجار مثل الصلصال تستطيع أن تصنع من شيء ما اشياء أخرى ، فمن لوح خشب مستطيل بسيط، يبتكر النجار المحترف صناديق منحنية، و طاولات تلفاز، ديكورات، واسرة نوم، و مطابخ. إنها مهنة تتطلب أن يكون الممارس لها فناناً قبل أن يكون حرفياً، وأن يمتلك تجربة عميقة تمكنه من إنجاز العمل بدقة تصل إلى 99%، مع إعطاء كل قطعة حقها الكامل من الوقت والجهد.
يعكس التوزيع الجغرافي لمهنة النجارة في فلسطين وتحديدا الضفة الغربية خارطة اقتصادية وحرفية معقدة، حيث تتحول هذه المهنة من مجرد حرفة يدوية إلى قطاع استراتيجي يمتد كالمحيط في تفاصيله وتفرعاته التقنية والفنية،. إن تركز 35% من العمالة في الخليل و26% في نابلس يؤكد أن هاتين المدينتين تشكلان العمود الفقري لهذا “الحقل” المليء بالصناع المتمرسين، حيث تُبنى المهارة عبر تراكم الخبرات والوقت لتصل إلى دقة إنجاز تقارب الكمال،.ومراكز مثل رام الله (16%) وبيت لحم (13%)، يبرز توجه نحو الإنتاج الاحترافي (Professional) الذي يرفض النمط التجاري السريع، ويركز على تحويل المادة الخشبية الصماء إلى قطع ديكورية معقدة تضفي روحاً على الفراغ،،. هذا التميز النوعي هو ما يخلق “سلسلة” من الثقة الممتدة بين الحرفي والجمهور، والتي لا تتأثر بمرور السنين بل تزداد قيمة،.
أما النسبة المحدودة في القدس (4%)، فهي لا تعبر عن حجم المهارة بقدر ما تعكس واقع التحديات الجيوسياسية القاسية؛ حيث أدت ظروف الحرب والإغلاقات المستمرة إلى بتر قنوات التواصل التجاري مع هذا المركز الحيوي، مما تسبب في تراجع النشاط الحرفي نتيجة توقف التصاريح وصعوبة الحركة. وفي المقابل، تظل غزة (10%) ومحافظات شمال الضفة مثل طولكرم (7%) وجنين (5%)، أجزاءً من منظومة تسعى للحفاظ على هويتها الحرفية رغم تقلبات السوق.
إن العمق الحقيقي لهذا القطاع في فلسطين يكمن في فلسفة “الأمانة والجودة”؛ فالصناعة الوطنية هنا تعتمد على بناء “صيت” مهني لا يكتشف الزبون قيمته إلا عبر التجربة الزمنية الطويلة،. إن مواجهة تحديات الأزمات، سواء كانت صحية أو أمنية، تطلبت من الحرفي الفلسطيني اتباع “سيستم” صارم يحميه من الانهيارات المالية، مع التمسك بمبدأ أن الاستثمار في الجودة العالية هو الضمانة الوحيدة للبقاء في ظل انتشار المنتجات الاستهلاكية الرخيصة التي تفتقر للمتانة،.
مهنة النجارة لا يقتصر على تطويع الخشب فحسب، بل يمتد ليشمل القدرة على الصمود في وجه الأزمات. لم تكن مسيرة أمجد العتيق خالية من العقبات؛ فقد وضعت الظروف السياسية والصحية، من جائحة كورونا إلى واقع الحرب، استمرارية منجرته على المحك. في هذا البودكاست، يروي لنا كيف قام أمجد بمواجه ‘فخ الشيكات’ وكيف حافظ على ‘سيستم’ عمله ثابتاً وسط العواصف، وصولاً إلى نصيحة جوهرية لكل من يبحث عن الجودة.
ولاء الحرباوي









