0

برك سليمان… كنوز التاريخ التي يطوقها الاستيطان

 تقع برك سليمان بين بلدتي الخضر وأرطاس جنوب مدينة بيت لحم، وتُعد من أهم المنشآت المائية التاريخية في فلسطين. ويرجح عدد من الباحثين أن إنشاءها يعود إلى الفترة الهيرودية في القرن الأول قبل الميلاد، حيث شكّلت جزءًا من شبكة مائية متطورة هدفت إلى تزويد القدس بالمياه. وتتكون البرك من ثلاثة خزانات حجرية ضخمة متدرجة الارتفاع، تبلغ سعتها التخزينية نحو 450 ألف متر مكعب من المياه، ما جعلها من أكبر مشاريع تخزين المياه في المنطقة آنذاك. وقد اعتمد هذا النظام على الانحدار الطبيعي للأرض لنقل المياه عبر قنوات امتدت لعشرات الكيلومترات دون الحاجة إلى وسائل ضخ حديثة.

ولا تُعد برك سليمان مجرد شاهد على عبقرية الهندسة المائية القديمة، بل تمثل اليوم أحد أبرز المعالم التراثية والسياحية في محافظة بيت لحم، حيث تستقطب الزوار والمتنزهين على مدار العام. وفي الوقت ذاته، تحولت إلى موقع حاضر في النقاشات المتعلقة بالهوية والتراث الفلسطيني، خاصة مع وقوعها بالقرب من مستوطنة “إفرات” المقامة على أراضٍ فلسطينية جنوب بيت لحم. وبين تاريخها الممتد لأكثر من ألفي عام وواقعها المعاصر، تظل برك سليمان نموذجًا لتداخل الإرث التاريخي مع التحديات التي تواجه المواقع التراثية الفلسطينية اليوم.

https://docs.google.com/spreadsheets/d/e/2PACX-1vRl4EqXZlMA_dpuBf7Ut64AviMmfbpIIMFlAhXC14YNvln0dN36byxeNkvy76bVhFPjPvgnCnnHzfj1/pubhtml

لا تكمن أهمية المنطقة المحيطة ببرك سليمان في موقعها الجغرافي فحسب، بل في كونها جزءًا من مشهد تاريخي وثقافي يمتد لقرون. وتقع البرك ضمن نطاق بلدة أرطاس التي عُرفت تاريخيًا بوفرة ينابيعها وأراضيها الزراعية، الأمر الذي جعلها مركزًا مهمًا لتجميع المياه وإدارتها في جنوب فلسطين.

ويكتسب الموقع حساسية خاصة بسبب قربه من مستوطنة “إفرات”، إحدى المستوطنات المقامة جنوب بيت لحم ضمن تجمع “غوش عتصيون” الاستيطاني. ويرى مهتمون بالتراث أن التوسع العمراني في المنطقة يشكل تحديًا للحفاظ على الطابع التاريخي والثقافي للمكان، خاصة أن برك سليمان لا تمثل مجرد موقع أثري، بل جزءًا من الذاكرة الفلسطينية المرتبطة بالمياه والزراعة والحياة اليومية عبر العصور.

كما أن أهمية البرك اليوم تتجاوز بعدها التاريخي، إذ تحولت إلى متنفس طبيعي ومقصد للزوار والرحلات المدرسية والفعاليات الثقافية. وبين قيمتها السياحية ومكانتها التراثية والتحديات المحيطة بها، تبقى برك سليمان واحدة من أبرز المواقع التي تعكس التداخل بين التاريخ والجغرافيا والواقع المعاصر في محافظة بيت لحم. 

المصدر:( Palsport News Agency (Facebook

أصبحت البرك في الفترة الأخيرة جزءًا من الجدل الدائر حول الهوية والرواية التاريخية للمكان. فبحكم موقعها القريب من مستوطنة “إفرات”، شهدت المنطقة أحداثًا ونشاطات أثارت تفاعلًا واسعًا بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

ومن أبرز هذه الأحداث ما جرى بعد انتشار مقاطع وصور لمستوطنين في محيط برك سليمان وهم يرفعون العلم الإسرائيلي داخل الموقع، الأمر الذي أثار ردود فعل فلسطينية واسعة. وفي المقابل، ظهر الفلسطيني محمد اللحام في صور ومقاطع مصورة وهو يقفز في برك سليمان رافعًا العلم الفلسطيني، في خطوة اعتبرها كثيرون رسالة تؤكد ارتباط الموقع بالهوية والتراث الفلسطيني.

ويعكس هذا التفاعل أن برك سليمان لم تعد مجرد شاهد على التاريخ، بل أصبحت أيضًا جزءًا من النقاش المعاصر حول حماية التراث والحفاظ على الرموز الثقافية الفلسطينية في المناطق المحيطة بمدينة بيت لحم.

لم تعد برك سليمان مجرد أثر تاريخي يروي قصة المياه في فلسطين، بل أصبحت شاهدًا على التداخل بين التاريخ والهوية والواقع المعاصر. وبينما تستمر في استقبال الزوار وتوثيق ذاكرة المكان، يبقى الحفاظ عليها مسؤولية جماعية لضمان بقاء هذا الإرث الفلسطيني حيًا في وجه التحديات المختلفة، وليظل شاهدًا على تاريخ يمتد لأكثر من ألفي عام.

Advertisement

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to top