0

بين الحصار والتقليص خارطة واحدة يجمعها وجع العطش

على أسطح المنازل المرتفعة في محافظات الضفة الغربية ، ترتسم “غابة” من الخزانات البلاستيكية السوداء؛ مشهدٌ بصري يختزل قصة العطش السنوي المتجدد مع كل صيف. هنا، لا يقاس الوقت بالساعات، بل بالأيام والأسابيع التي تفصل المواطن عن “دوره” في جدول توزيع المياه، والذي بات أشبه بموعد مؤجل ينتظره الجميع على الشاشات والصنابير بلهفة وقلق.
بين هسيس الهواء الذي يملأ الأنابيب الفارغة، وضجيج مضخات تبحث عن ضغط مفقود، تواجه الهيئات الرسمية المحلية معادلة صعبة؛ حصص مائية محدودة يتحكم بها الاحتلال في الخطوط الناقلة، مقابل استهلاك يتضاعف في ذروة الصيف، .

ص

لوضع النقاط على الحروف وفهم التحديات التشغيلية التي تواجه خطوط الضخ، نتوجه إلى صناع القرار في الميدان. فالمسؤولية الملقاة على عاتق الجهات المحلية تتطلب إدارةً دقيقة لكل لتر متاح وسط ظروف جيوسياسية معقدة.
في التسجيل الصوتي التالي، يشرح لنا السيد أنور علاوي، من سلطة مياه ومجاري بيت لحم، كواليس هذه المعادلة الصعبة، وكيف تحاول الطواقم الفنية توزيع الحصص المائية بعدالة بالرغم من محدودية المصادر والتقليصات المستمرة:

لكن بيت لحم ليست وحدها في هذه المعركة الصامتة ضد العطش؛ فالأزمة الممتدة من جبالها وأوديتها تمتد جذورها لتشمل معظم محافظات الضفة الغربية، التي تتشارك في ذات المعاناة والسبب.
إن غياب السيادة الفلسطينية على مصادر المياه والآبار الجوفية، وتحكّم الجانب الإسرائيلي بالخطوط الناقلة عبر شركة “ميكوروت”، حوّل قطرة الماء من حقٍ أساسي إلى أداة ضغط سياسي واقتصادي يعاني منها الكل الفلسطيني. في الصيف، بينما تنتعش المستوطنات بالوفرة المائية، تصاب البلدات والقرى الفلسطينية المجاورة بجفافٍ قسري.
لأخذ صورة أشمل وأعمق، تستعرض الخريطة التفاعلية التالية واقع توزيع المياه وحجم العجز المائي في مختلف المحافظات الفلسطينية خلال ذروة فصل الصيف، لتظهر كيف يتوزع “العطش”

تستند المؤشرات الموضحة في الخريطة التفاعلية أعلاه إلى مسوح ميدانية وتقارير رسمية مشتركة صادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني وسلطة المياه الفلسطينية. تعكس هذه البيانات التفاوت الجغرافي الحاد وحجم الفجوة في التوزيع المائي الصيفي بين المحافظات؛ حيث يتضح جلياً تركز الأزمة الخانقة في محافظات جنوب وشمال الضفة الغربية نتيجة تحكم الجانب الإسرائيلي بالتدفقات وضخ الخطوط الناقلة.



: بين الحصار والتقليص خارطة واحدة يجمعها وجع العطش

ولا تتوقف فصول هذه المعركة الصامتة عند حدود جبال الضفة الغربية وأوديتها؛ ففي قطاع غزة المكلوم، يتخذ العطش شكلاً أكثر قسوة وضراوة. هناك، حيث حوّلت الحرب المستمرة تدمير البنية التحتية، وقصف محطات تحلية المياه، وقطع خطوط الإمداد التابعة للاحتلال، قطرة الماء النقية من حق طبيعي إلى حلم بعيد المنال ومسألة صراع يومي من أجل البقاء.
بين تفاصيل الطوابير الطويلة للأطفال والنساء الحاملين للأواني الفارغة في غزة بحثاً عن لترات معدودة من المياه غير الصالحة للشرب تماماً، وبين جفاف صنابير البيوت لأسابيع طويلة في قرى بيت لحم والخليل؛ يتشابه المشهد المأساوي وتلتقي المعاناة. إنها سياسة تعطيش ممنهجة تفرض قيودها على الكل الفلسطيني، لتؤكد أن وجع العطش واحد على خارطة الوطن، وإن اختلفت الأدوات بين بتر الخطوط الناقلة في الوسط والجنوب، والتدمير الكامل لمقومات الحياة في القطاع.

ملامح من المعاناة اليومية لأهلنا في قطاع غزة للحصول على المياه في ظل تدمير شبكات الإمداد الشاملة.
(المادة المرئية وثقها المصور: [the sameer project عبر تطبيق الانستغرام])

في المحصلة، لم تعد أزمة المياه في فلسطين مجرد مسألة “شح طبيعي” في الموارد أو تفاوت فصلي تفرضه حرارة الصيف؛ بل هي مرآة تعكس أعمق صور التمييز والسيطرة على مقدرات الحياة الأساسية. فبينما تقاس حصص المواطن الفلسطيني بالليترات الشحيحة وتحت وطأة الجداول المؤجلة، تنعم المستوطنات المقامة على الأرض ذاتها بوفرة مائية تفيض عن الحاجة؛ ليتحول الحق الإنساني الأول والأبسط—حق البقاء—إلى أداة ضغط سياسي يومي يعيشه الصغير والكبير.
إن الأرقام والخرائط الإحصائية المعروضة في هذا التقرير لا تتحدث عن كميات مجردة، بل تروي قصة صمود يومي وعطش يتشارك فيه الكل الفلسطيني من قمم جبال الضفة الغبيرية إلى ركام البنية التحتية في قطاع غزة. ومع استمرار هذا النزيف المائي، يظل الصنبور الجاف في بيوتنا شاهداً حياً على قضية لا تبحث فقط عن حلول تقنية أو خطوط ناقلة جديدة، بل تصرخ في وجه العالم مطالبةً بعدالة مفقودة تعيد للحق أصحابه وتنقذ الأرض والإنسان من عطش قسري يهدد الوجود.

Advertisement

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to top