
هل تخيلت يوماً أن تصبح المسافة بين منزلك وعملك، أو بين مريضك والمشفى، رهينةً لقطعة حديد صفراء؟ في بلدة تقوع، لا تقاس المسافات بالكيلومترات، بل بعدد البوابات التي قد تُفتح أو تُغلق بقرارٍ من جنديٍ لا يرى فيك سوى “رقم” في طابور انتظار طويل. هذه البوابة الحديدية العملاقة ليست مجرد حاجز؛ إنها جدارٌ صلب يفصلنا عن تفاصيل حياتنا اليومية، ويحول حقنا البسيط في التنقل إلى “امتياز” استثنائي ينتزع بانتظارٍ طويل أو بتنسيقٍ مذل. هنا، تحولت الشوارع التي كانت شرياناً نابضاً بالحياة إلى ممرات محاصرة، تقطع أوصال البلدة وتجعل من الوصول إلى أبسط الحقوق رحلة محفوفة بالمشقة وعدم اليقين.

لا تكتفي الإغلاقات بالبوابات الحديدية، بل تمتد لتشمل مكعبات أسمنتية ضخمة صُممت لتكون عائقاً دائماً، تُغلق الطرق الفرعية وتجبر المواطنين على سلوك طرق أطول وأكثر وعورة، مما يعكس سياسة العقاب الجماعي التي تزيد من عزلة القرى وتضاعف أعباء الحياة اليومية.
وفي خضم هذا المشهد القاسي، يظل المريض هو من يدفع الثمن ؛ إذ لا تتوقف المعاناة عند تأخير الوصول، بل تصل إلى حد تعريض حياته لخطر حقيقي في كل ثانية إغلاق، حيث تتحول الطرق المقطوعة إلى تحدٍ وجودي يواجهه المريض وذووه.
وسط هذا الواقع الذي يسلب المرضى حقهم في الحياة الآمنة، ويوثقه الفيديو كشهادة حية من الميدان، تبحث الحياة في تقوع عن منافذ بديلة للصمود. فخلف ذات البوابات التي تُحتجز خلفها سيارات الإسعاف، تنبض الحياة بطريقة أخرى؛ حيث يتحدى الصغار قسوة المشهد ببرائتهم، ويحيلون أدوات الحصار إلى جزء من تفاصيل طفولتهم التي تصر على البقاء.

رغم أن الإغلاق يطوّق حياتنا، إلا أن أطفال تقوع يختارون دائماً أن ينطلقوا بدراجاتهم، محولين هذه البوابات الجامدة إلى مساحة للعب والحياة. هم يذكروننا في كل يوم بأن إرادة الحياة أقوى من كل الحواجز، وأن الصمود ليس مجرد شعار، بل هو طفولة تأبى إلا أن تتنفس حرية رغم كل شيء.







