0

عمر القيسي:وصية الجذور لأحفاد الكرامة

بين صخور ترفض النسيان ,وظل مستوطنةٍ تتربص بكل حبة تراب ,يكتب المزارع عمر القيسي حكايةً ليست ككل الحكايات هي قصة انسان قرر يكون جذراً لا يخلع ,ونبضاً لا يهدأ في صدر أرضٍ يحيط بها الإسمنت البارد من كل جانب هنا حيث حيث يلتقي الصمود بالصبر وحيث تتحول الزراعة من وسيلة للعيش الى صلاةٍ يومية في محراب الأرض نكتشف معنى أن تكون “حارس الذاكرة”في وجه محاولات التغيب . في هذه التلال ,لا يروي عمر شجره بالماء فقط ,بل بكرامةٍ تأبى أن تنحني موثقا في كل يوم أن الحق باقٍ ما دام هناك من يجرؤ على الحلم والزراعة تحت عيون الغرباء.

لندرك حجم التحدي ,علينا أولاً أن نرى “المكان”بعيون عمر ,حيث لا يفصل بين أغصان زيتونه وبين زحف المستوطنة إلا فضاءٌ ضيق ,لكنه فضاءٌ ممتد بالاف السنين من الحق.تأملوا هذه المواجهة الصامتة ,حيث تقف هذه الأرض الخضراء ,بتلالها الوعرة وأشجارها الصامدة ,وجهاً لوجه أمام بحرٍ من الإسمنت البارد يوشك أن يبتلع الأفق . في هذا التماس الحاد بين خضرة الشجر ورمادي الجدار ,يكتب عمر القيسي فصله الخاص من تاريخ الصمود ,موثقاً أن الأرض لا تزال تنطق بلغة أصحابها الأصليين.

إذا كانت الصورة أين يقف عمر ,فإن الفيديو التالي يوثق لماذا يصر على البقاء هنا نترك الكلمة لصاحب الأرض وحيث يكسر عمر القيسي صمته ليأخذنا في رحلةٍ عبر ذكرياته ,متحدثاً عن جذوره الضاربة في هذه التلال واللحظة التي بدأ فيها هذا الزحف الإستيطاني يغير ملامح أفقه استمعوا إلى شهادته الحية وهو يروي حكاية “الجار الغريب” الذي نبت كجسمٍ غريبٍ في خاصرة أرضه ,وكيف تحولت يومياته من مجرد زراعةٍ وفلاحة إلى معركة وجودٍ يومية يرويها بصوته وقلبه.

ما سمعناه في هذه المقابلة ليس مجرد كلمات عابرة بل هو نزيفُ ذاكرةٍ تأبى التزوير.عندما تحدث عمر القيسي بحرقة عن تلك اللحظة التي ظهر فيها “المستوطن” فجأةً فوق قمة جبلٍ كان يملكه اّباؤه ,لم يكن يروي واقعةً عابرة ,بل كان يصف زلزالاً حاول اقتلاع جذوره .

إن نبرة صوته وهو يتحدث عن أرضه ,ليست نبرة مزارعٍ يخشى على محصوله فحسب ,بل هي نبرة حارسٍ يخشى على تاريخه من الإندثار في ظل هذا الحصار الذي يراه العالم خلافاً جغرافياً ,بينما يراه عمر جرحاً نازفاً في خاصرة التل الذي يهدد هويته وحقه الأصيل.

وبعد أن تعايشنا مع تفاصيل المكان وصوت صاحبه ,نحتزل هذا الصمود كله في رسالة بصرية مكثفة ,بطاقة تجمع بين عمق الكلمة وصلابة المشهد ,لتكون بمثابة شعار لهذه الرحلة وتظل محفورة في ذاكرة كل من يمر بهذه القصة.

شرحت هذه البطاقة البصرية جوهر الصراع والإرتباط بالتراب حيث يظهر المزارع في مقدمة المشهد متمسكاً ب “معوله” كأنه سلاحٌ لحمايو الوجود ,وخلفه ترفرف الكوفية والعلم الفلسطيني كرمزٍ للهوية التي لا تنكسر . في الخلفية ,يبرز التناقض الصارخ الذي رأيناه في الصور الواقعية فبينما تتجذر الأشجار في الأرض ترتفع أسوار المستوطنة والياتها كأجسام غرييبة تحاول التهام الأفق وهذه الكلمات “الأرض لنا زالصمود قرارنا وولن نرحل لأن جذورنا هنا ” ليست مجرد كلمات عابرة بل هي الميثاق الذي يعيشه عمر يومياً فهو يزرع اليوم ليورث أحفاده الكرامة والحرية ,محولاً فعل الزراعة إلى رسالة تحد بصرية تنطق بالحق التاريخي في وجه التمدد الإستيطاني.

في ختام هذه الحكاية يغادرنا وجه عمر القيسي المتعب والمليء بالأمل ليبقى صوته صدى يتردد في أركان هذه التلال الشاهدة على الصمود إن ما شاهدناه عبر هذه الوسائط ليس مجرد قصة عن مزارع محاصر بل هو ملحمة إنسانية تخبرنا أن الجدران والاليات مهما علت او توحشت في نهش الجبل تظل جسماً غريباً عن روح الأرض وأصالة أهلها.

قصة عمر هي الرسالة الأخيرة لنا جميعاً :أن الجذور التي تأبى الإنكسار هي وحدها من يكتب التاريخ ,وأن الأرض ,في نهاية المطاف ,لا تعترف إلا بمن يملك نبضها ,ويحمي عهدها ويقرر أن يكون الصمود هو قراره الأبدي.

Advertisement

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to top