لم تكن مناطق (ج) يوماً مجرد حرف في اتفاقية سياسية،بل هي المخزون الاستراتيجي للضفة الغربية، والساحة الكبرى التي تحاول الاطماع الصهيونية إعادة رسم خريطتها. تشكل هذه المناطق، التي ولدت من رحم اتفاقية أوسلو الثانية عام 1995، نحو 61% من إجمالي مساحة الضفة، لكنها تحولت بمرور الزمن من منطقة انتقالية إلى ساحة مواجهة مفتوحة. حيث تفرض السلطات الإسرائيلية سيطرتها المدنية والأمنية الكاملة، يجد الفلسطيني نفسه غريباً في أرضه، محاصراً بآلات الهدم من جهة، وتغول المستوطنات من جهة أخرى
تتبع الحكومات الإسرائيلية في مناطق (ج) استراتيجية “الخنق الصامت” التي تهدف إلى تحويل حياة الفلسطينيين إلى عبء لا يُطاق لدفعهم نحو الرحيل الطوعي. هذه السياسة تحرم التجمعات السكانية من أبسط حقوق البنية التحتية، ويُمنع الأهالي من حفر آبار المياه أو مد شبكات الكهرباء، في وقت تتمدد فيه المستوطنات المجاورة بمرافق رفاهية كاملة. ووفقاً لبيانات “أوتشا” فإن ما يقارب 8,765 منشأة فلسطينية هدمت منذ عام 2010، منها مساكن مأهولة وحظائر أغنام، بذريعة “عدم الترخيص” التي ترفض السلطات الإسرائيلية منحها للفلسطينيين بنسبة تصل إلى 95%. هنا تتحول جرافات الاحتلال إلى أداة لتقويض الوجود الفلسطيني،لتفريغ الأرض من أصحابها ومنذ مطلع عام 2026 تتعرض الضفة لهجمات هدم المباني
تمثل قرية النعمان، الواقعة على التلال الشرقية لبيت لحم والواقعة جنوب القدس تقع خلف جدار الفصل العنصري وتصنف ضمن ما يسمى بـ “حدود بلدية القدس”. هي واقعة ضمن المناطق (ج) مناطق نفوذ الاحتلال المباشر …هنا، يُحارب الاحتلال الفلسطينيين بالقانون الذي يُفصل على مقاس التوسع الاستيطاني؛ فالقرية التي تعود جذور أهلها إلى قبيلة التعامرة العريقة، سقطت في فخّ جغرافي مُحكم بعد عام 1967، حين ضمت إسرائيل أرضها إلى نفوذ بلدية القدس، بينما رفضت منح سكانها “الهوية الزرقاء”، مما جعلهم عرضة لعملية تهجير صامتة بدأت بقرار عزلهم خلف جدار الفصل العنصري الذي التهم القرية من جهاتها الثلاث، وحوّلها إلى سجن مفتوح لا يمكن الدخول إليه أو الخروج منه إلا عبر حاجز عسكري يتحكم في أدق تفاصيل حياتهم حتى في كمية “ربطات الخبز” أو “أكياس الطحين” التي يُسمح لهم بإدخالها
وتزداد مرارة الواقع في النعمان مع تصاعد مخططات الإخلاء والتهجير القسري؛ حيث بدأت السلطات الإسرائيلية مؤخراً بالترويج لادعاءات تزعم أن أراضي القرية هي “أراضٍ مقدسة” أو محميات طبيعية، في محاولة لنزع الصفة القانونية عن وجود أهلها الأصليين الذين يملكون أوراق “طابو” تثبت ملكيتهم للأرض أباً عن جد. هذا الحصار الإداري جعل من القرية “منطقة محرمة” على البناء أو الترميم؛ فأي محاولة لإصلاح سقف منزل أو إضافة غرفة لمواجهة الزيادة الطبيعية للسكان تُجابه فوراً بإخطارات الهدم والاعتقال، بينما تواصل جرافات الاحتلال في الجهة المقابلة تمهيد الأرض لتوسيع مستوطنة “هار حوما” (جبل أبو غنيم) التي تلتهم الأفق. إن أهالي النعمان لا يواجهون فقط خطر الهدم المادي لبيوتهم، بل يواجهون محاولة لمحو تاريخهم، ويُطالبون بالرحيل عن قريتهم التي أصبحت حلقة وصل منسية بين مطرقة الجدار وسندان التهويد
ولا تتوقف فصول هذه المأساة عند عزل القرى وتهجير سكانها كما هو الحال في النعمان، بل تمتد لتطال أي محاولة فلسطينية لإعمار الأرض أو إضفاء لمسة جمالية عليها في عمق مناطق (ج). في قرية زعترة، تبرز قصة “منتزه سما البداية” كشاهدٍ حي على محاربة “الفرح الفلسطيني”؛ فهذا المعلم الذي شيده المواطن ابراهيم الوحش (أبو أنس) ليكون متنفساً طبيعياً لأهالي الريف الشرقي المحاصرين والذي كان المنتزه الوحيد في زعترة، تحول فجأة إلى هدفٍ مباشر للإدارة المدنية الإسرائيلية. حيث طاردته معاول الاحتلال بقرارات هدم متتالية بحجة “عدم الترخيص”، وهي الحجة الجاهزة دائماً لتعطيل أي مشروع فلسطيني، مما أجبر صاحبه في نهاية المطاف على إغلاقه بالاجبار فقد هدد بالاعتقال وتحويله الى ركام
وفي حديث مليء بالقهر، يروي أبو أنس مرارة التجربة التي تعكس حال أهالي زعترة، مؤكداً أن الهدف ليس قانونياً كما يُشاع، بل هو “هدمٌ نفسي” قبل أن يكون هدماً للحجر. يقول أبو أنس بنبرة يملؤها الصمود: “لم يكن منتزه سما البداية مجرد مشروع تجاري، بل كان حلماً بجمع الناس في أحضان الطبيعة. لسنوات وانا احاول انتزاع ترخيص دون جدوى، فطلباتنا تُرفض تلقائياً، بينما نشاهد المستوطنات الواقعة على التلال المجاورة تتمدد بآلاف الوحدات المرخصة والمزودة بكافة سبل الرفاهية.” ويضيف كاشفاً مخططات الاحتلال ناحية بلدة زعترة”الاحتلال لا يريد أن يرى هذه الأرض عامرة بالناس والحياة، بل يريدها صحراء خالية ليسهل عليه قضمها وضمها لاحقاً. لقد أرادوا بقرار الهدم كسر إرادتنا، لكن رسالتنا ورسالة أهلنا في زعترة واضحة: باقون هنا، فهذه الأرض هي بداية حكايتنا ونهايتها

تظل المناطق (ج) الساحة الأكثر تعقيداً، حيث يواجه الفلسطيني فيها حرباً صامتة تستهدف وجوده اليومي. ورغم آلات الهدم وضغوط الاستيطان، يبقى صمود الأهالي هو الرد الأقوى؛و هو تأكيدٌ على أن سياسة الأمر الواقع لن تنجح في اقتلاع صاحب الأرض من جذوره مهما بلغت التضحيات






