
بعد الحرب على غزة في السابع من أكتوبر، شهدت الضفة الغربية تداعيات كبيرة؛ إذ فقد آلاف الفلسطينيين وظائفهم داخل الأراضي المحتلة، وتعرضت أراضيهم لتهديد المصادرة إلى جانب الهجمات المستمرة من المستوطنين، أصبح الخوف جزءًا من الحياة اليومية، كما بات القلق على المستقبل يسيطر على العائلات.
تقف الضفة الغربية اليوم أمام اختبار صمود جديد: كيف يحافظ الناس على الأرض والهوية في ظل هذه الضغوط؟ عبّر بعض الناس عن اعتراضهم من خلال الاحتجاجات، أو عبر صمت مؤقت، لكن هناك من اختار طرقًا مختلفة للمقاومة، صامتة لكنها عميقة.
صوريف: قصة صمود تحت الأرض
في بلدة صوريف شمال غرب الخليل، تجسدت هذه المقاومة بشكل ملموس، محمد الحيح مواطن فلسطيني يبلغ من العمر 51 عامًا، فقد عمله وتصريحاته للعمل داخل الأراضي المحتلة بعد الحرب.
محمد، الذي كان يعتمد على العمل في الداخل الفلسطيني، قرر ألا يستسلم للبطالة أو لسياسات التضييق والمصادرة التي طالت أراضي بلدته في عام 2025، فبدأ رحلة فريدة في باطن الأرض، حفر خلالها مغارة يدوية لتكون ملاذاً ورمزاً للبقاء.
تحت أرضه، بدأ محمد بحفر كهف بيديه، ملاذ آمن يحميه من هجمات المستوطنين ومن فقدان الأرض حيث قام باستخدام أدوات بسيطة فقال محمد : “ما كان عندي غير إرادتي… كل متر حفرته حسيت اني بثبت حالي بهاي الأرض” الكهف مش بس ملجأ، بل تحفة صمود . كل حجر وكل منحنى يحكي قصة الانتماء والمقاومة، ويحوّل الأرض لرمز ثبات
حسن نمر، شاب من قرية مجاورة، وصف الكهف قائلاً: “لما دخلت المغارة، فهمت شو يعني صمود.. محمد قاوم من غير صوت ولا صريخ، قاوم بإنّه عمل إشي دايم وموجود، إشي ما بقدروا يمحوه بقرار ولا بجرافة.”
إبداعٌ في صلب الصخر
عند دخول الكهف، تدرك أنك لست أمام مجرد حفرة في الأرض، بل أمام لوحة فنية منحوتة بعناية فائقة. محمد، الذي لم يتلقَ تعليماً هندسياً، استطاع بحسه الفطري ويده الماهرة أن يحول قسوة الصخر إلى مساحة مفعمة بالحياة قابلة للاستخدام.
أعمدة الكهف وزواياه منحوتة بشكل دقيق، ما يعكس الجهد المبذول في إنجازه. في الداخل، تظهر أشكال هندسية بسيطة مستوحاة من التراث الفلسطيني، إلى جانب نقوش صغيرة أضافها محمد لتخفيف قساوة الحجر وإعطاء المكان طابعًا أكثر راحة.
التوزيع الداخلي للكهف يعكس ذكاءً هندسياً؛ حيث صمم محمد زوايا مخصصة للجلوس، وأخرى لطهي الطعام، وحتى “رفوفاً” صخرية منحوتة في الجدار لعرض المقتنيات البسيطة. الإنارة الطبيعية تتسلل بذكاء عبر فتحات صغيرة مدروسة، لتنير المكان وتضفي عليه طابعاً ساحراً.

الواقع في صوريف
حسب بلدية صوريف، فقد معظم سكان البلدة وظائفهم وتصاريحهم بعد الحرب، وهو وضع يشبه ما يحدث في مختلف مناطق الضفة الغربية.
ويضيف غنيمات أحد سكان البلدة أن حالة محمد ألهمت الكثيرين للعودة إلى أراضيهم وتأهيلها، كنوع من “الحماية الذاتية” ضد التمدد الاستيطاني. “الناس بالحارة عايشة بقلق، خايفين على الأرض والبيوت، وخايفين أكثر على مستقبل ولادنا.. بس مغارة محمد بتذكرنا بكلمة وحدة: إنّه قوتنا بهالأدوات البسيطة وبتربية أجدادنا اللي علمونا نعشق الأرض ونتمسك فيها”
من الصخر إلى البيوت: حكاية إبداع مستمر
لم تتوقف رحلة محمد عند حدود الكهف، بل تحوّلت إلى بداية جديدة. فبعد أن اكتشف قدرته على النحت والعمل في الصخر، بدأ يستخدم هذه المهارة في بيوت الناس داخل البلدة والقرى المجاورة.
صار محمد يُبدع في تزيين الجدران برسوم ونقوش يدوية مستوحاة من التراث الفلسطيني، مستخدمًا أدوات بسيطة وروحًا مليئة بالإصرار.
يقول محمد: “الشغل اللي بلّش تحت الأرض، طلع للنور… صرت أشتغل بيوت الناس وأحط لمستي فيها، كأنه كل بيت بصير جزء من القصة.”
ومع مرور الوقت، لم يعد ما يقوم به مجرد عمل لتأمين لقمة العيش، بل أصبح شكلاً آخر من أشكال المقاومة؛ مقاومة تُعبّر عن الهوية بالجمال، وتحفظ الذاكرة في تفاصيل البيوت اليومية.
بهذا، لم يحفر محمد الأرض فقط ليبقى، بل حفر لنفسه طريقًا جديدًا للحياة، يحوّل فيه الألم إلى فن، والخوف إلى أثرٍ لا يُمحى.

الكهف رمز للتراث والمقاومة
داخل الكهف، يجتمع أهل القرية أحيانًا، ليصبح مكان يحمي التراث ويربط الناس بأرضهم، قال محمد عن الكهف: “أنا حبيت أقاوم بطريقة تدوم… الحجر والتراب باقين،. إن شاء الله أولادنا يعرفوا يحافظوا على أرضهم، يعيشوا عليها ويفتخروا فيها، زي ما إحنا عايشين.”
في ظل تهديد مستمر لأراضي الضفة الغربية، يقف كهف محمد كرمز صامت للمقاومة والتراث والانتماء العميق للأرض، رسالة تقول: هالأرض النا وبنصمد عليها
بينما يتساءل البعض إن كانت هذه العودة للأرض مجرد خطوة مؤقتة، يرى محمد الحيح فيها فرصة لإعادة إحياء العلاقة مع الهوية الفلسطينية، ويأمل أن تكون مغارته درساً للأجيال القادمة في كيفية الحفاظ على الوجود مهما بلغت الضغوط.









