اخر الاخبار
SHOWS
Far far away, behind the word mountains, far from the countries Vokalia and Consonantia, there live the blind texts.
انتخابات بيت ساحور 2026: بين وعود التغيير وتساؤلات المواطنين

تشهد مدينة بيت ساحور، منافسة انتخابية قوية، ومع اقتراب موعد انتخابات البلدية المقرر عقدها يوم السبت 25 نيسان/أبريل 2026، تتزايد وتيرة النقاشات بين المواطنين في ظل أجواء يغلب عليها الترقب. وفي الوقت الذي تكثّف فيه القوائم الانتخابية حملاتها وبرامجها، يبدو الشارع منقسماً بين الأمل في التغيير، والتشكيك
.في تكرار الوعود ذاتها دون تغيير ملموس
تشكّل انتخابات البلدية لهذا العام تنافساً قوياً بين 5 قوائم انتخابية، وهي {1} قائمة أرض البشارة، {2} قائمة شباب البلد، {3} قائمة بيت ساحور للجميع، {4} قائمة العهد والتنمية، {5} قائمة بيت ساحور البناء والتنمية. كما تطرح برامج انتخابية تركز على تحسين الخدمات العامة، وتطوير البنية التحتية، إلى جانب تعزيز دور الشباب والمرأة
.في التغيير
تأتي هذه الانتخابات في ظروف سياسية واقتصادية ومالية صعبة لما تمر به البلاد من أزمات، وهذه الانتخابات
. بمثابة أمل للتغيير والتحسين للأفضل
تنوعت آراء المواطنين وطموحاتهم حول الانتخابات، ما بين ثقة كبيرة بالمرشحين وأمل بالتغيير، وبين الشك
.والتخوّف من شعارات دون تغيير فعلي
وخلال عدة مقابلات مع بعض المرشحين للانتخابات، تحدثوا عن التغييرات والتحسينات التي يخططون
.للعمل عليها
حيث قال السيد جريس قمصية، رئيس قائمة شباب البلد {2}، “نسعى من خلال هذه الانتخابات إلى تجديد انتماء في هذه المجالس المحلية وتحديداً في بلدية بيت ساحور، لمزيد من الإنجازات التي يمكن أن نحققها من خلال تكاتف
.”كل أبناء المدينة مع هذا المجلس
وأضاف في سؤالنا عن تصنيف مدينة بيت ساحور وتراجعه من B إلى C، “إن هذا التراجع يعود لعدة أسباب، ونحن ضمن البرنامج الانتخابي لقائمة شباب البلد، تمت دراسة كل أسباب تراجع التصنيف، وتمت دراسة الفرص والإمكانيات
.”المتاحة لنا لإعادة هذا التصنيف لمكانه الطبيعي، وإعادة رفع تصنيف مدينة بيت ساحور
والذي يميز الانتخابات هذا العام هو التنوع في المرشحين، حيث هناك نسبة جيدة من مشاركة
.فئة الشباب والمرأة
وفي هذا السياق قالت السيدة سهى قمصية، إحدى المرشحات في قائمة شباب البلد {2}، “دور المرأة الساحورية معروف منذ قديم الزمان، المرأة الساحورية قوية، مناضلة، صامدة، تعمل في كثير من المؤسسات الناجحة التي
.”تقوم بها المرأة
وفي الحديث عن تطوير البنية التحتية أضاف السيد رائد الأطرش، رئيس قائمة بيت ساحور البناء والتنمية {5}، “لقد وضعنا استراتيجيات للبدء بالعمل عليها، ولقد بدأت بالفعل العمل على البنية التحتية ووضع خطة حتى قبل صدور
.”نتائج الانتخابات، وبدأت بالعمل مع الدول المانحة على تمويل هذه المشاريع
أما السيد منجد الهواش، أحد المرشحين في قائمة بيت ساحور البناء والتنمية {5}، فأكّد من جهته على عدة أمور
،لتحسين الأداء والوضع في بيت ساحور، منها: تشجيع السياحة بالاتصال مع الخارج والداخل، إحياء البلدة القديمة
.وتشجيع الاستثمار

وأكّد السيد إيهاب مصلح، أحد المرشحين في قائمة أرض البشارة {1}، “أولويتنا في المجلس البلدي تنظيم
.”البيت الداخلي للبلدية والعمل على تحديد الأولويات، لمعرفة مناطق الضعف ومعالجتها
في ظل الحديث عن دور الشباب، يبرز تساؤل حول مدى مشاركتهم الفعلية في العمل البلدي. فالتحدي، كما
.يُطرح، لا يتعلق باستقطابهم، بل بمدى تفعيل دورهم بعيداً عن التهميش، نحو مشاركة حقيقية في صنع القرار

من جانبه أوضح السيد ليث قمصية رئيس قائمة العهد والتنمية {4}، “في مخططنا الانتخابي لدينا دور كبير للشباب، والمشاركة في اتخاذ القرار من جيل الشباب، حيث سيكون لديهم دور فاعل عن طريق العديد من الأمور، منها الاستفتاء الإلكتروني الذي سنقوم به عن طريق التطبيق، وكل شخص مكلّف في البلدية سيتسنى له المشاركة في اتخاذ
.”القرارات، وسنشكل لجان مساندة للبلدية من شباب البلد وكبارها
وفي السياق ذاته، قال السيد الياس خير، رئيس قائمة بيت ساحور للجميع {3}، “الشباب هم عماد الوطن
.”والمستقبل، هم طاقة واجب علينا دعمها، ودعم ثقافتهم وجامعاتهم ومشاريعهم
بين تطلعات المواطنين ووعود المرشحين، تبقى صناديق الاقتراع هي الفاصل في رسم ملامح المرحلة القادمة
.في بيت ساحور الجديدة
روجينا منير سلسع
يعقوب قنواتي: حارس السكينة في مهد المسيح
من خلف الأبواب العتيقة لكنيسة المهد في مدينة بيت لحم، يبرز يعقوب توفيق قنواتي، الرجل الذي نذر وقته ليكون صلة الوصل بين قدسية المكان وزواره. يعقوب، ابن مدينة بيت لحم، لا يرى في الكنيسة مجرد موقع أثري أو ديني، بل يعتبرها في مقامِ بيته الأول، خاصة في مواسم أعياد الميلاد التي يشعر فيها بانتماء عميق بقوله: “موسم عيد الميلاد كأنه في بيتي”. يتميز يعقوب بإخلاصه ومحبته الكبيرة لعمله، حيث يقف كحارس للمكان (سنتواري)، مكرساً جهده لخدمة الزوار بروح تملؤها السكينة والمودة
يتجلى عمل يعقوب في جانبين متكاملين يحافظان على هوية بيت لحم؛ فمن جهة، يتولى مهمته كـ “سنتواري”، حيث يقف بوقار لتنظيم دخول الزوار إلى الكنيسة ( كنيسة المهد) ، وضمان بقاء المكان مرتباً وهادئاً يليق بمكانته المقدسة. ومن جهة أخرى، ينغمس يعقوب في عالم الحرف التقليدية التلحمية، حيث يشرف على صناعة وتجهيز الهدايا التذكارية الدينية، مثل المسابح المخصصة لرجال الدين، والأيقونات، والمصنوعات الخشبية والتماثيل التذكارية


يعتمد يعقوب في حرفته على خشب الزيتون الأصيل من بيت لحم، مشكلاً حلقة وصل اقتصادية واجتماعية مع محيطه؛ فهو يتعاون مع “أهل التعامرة” الذين يساهمون في تجهيز الخيطان للمسابح، ويدعم الحرفيين المحليين الذين يتميزون بدقة متناهية في عملهم و تبرز في هذه الأعمال مغارة الميلاد بتفاصيلها الدقيقة، وتماثيل تمثل القوافل والأيقونات والصلبان الخشبية الكبيرة التي تعكس مهارة فائقة في الحفر على الخشب. وفي صورة مقربة لتمثال يجسد وجه السيد المسيح بإكليل الشوك، تظهر بوضوح براعة يعقوب في إبراز التعبيرات الإنسانية وتفاصيل الشعر والملامح، مما يمنح خشب الزيتون الصامت روحاً ووقاراً يحاكي قدسية المدينة
ويؤكد قنواتي أن الوصول إلى هذا المستوى من الإتقان يتطلب وقتاً وجهداً شاقاً؛ فبعض القطع الفنية المعقدة قد يستغرق العمل عليها شهراً كاملاً من الجهد اليدوي المتواصل باستخدام ماكينات مخصصة، لضمان خروجها قطعة فريدة لا تتكرر. هكذا، يواصل يعقوب قنواتي مسيرته بين أروقة الكنيسة وطاولات الحفر، محافظاً على إرث بيت لحم، ليبقى الماضي نابضاً بالحياة في كل قطعة خشب يلمسها

في ختام هذه الحكاية، يبرز يعقوب قنواتي كحارسٍ مزدوجٍ لإرث بيت لحم؛ فهو لا يكتفي بحماية سكينة كنيسة المهد كـ “سنتواري” مخلص، بل ينفخ الروح في خشب زيتونها ليحوله إلى رسائل محبة تصل إلى العالم أجمع.
إن تفاني يعقوب في عمله، سواء في تنظيم صفوف الزوار أو في قضاء ساعات طوال خلف ماكيناته ليخرج تحفة فنية متقنة، يعكس جوهر الإنسان الفلسطيني المرتبط بأرضه ومقدساته. فمن خلال تلك المنحوتات الدقيقة والمسابح التي تُصنع بصبرٍ جميل، يضمن يعقوب أن يظل الماضي نابضاً بالحياة، وأن يحمل كل زائرٍ معه “ذكرى من بيت لحم” لا تمحوها السنين، لتبقى حكاية مهد المسيح محفورة بوقار في القلوب تماماً كما هي محفورة في ثنايا خشب الزيتون الأصيل
.
مرح حرز الله
غرزة من زمن الطيبين: حكاية خيط صاغ حياة كريمة
بدأت رحلة السيدة فتحية العتيق (أم عصام) ( 73 عاماً) مع آلة الخياطة وخيوط الصوف منذ كانت بالسابعة عشر من عمرها ، حيث لم تكن الإبرة بالنسبة لها مجرد أداة عمل، بل كانت وسيلة لصياغة واقع أفضل لها ولأسرتها. ومنذ ذلك الزمن الجميل وحتى يومنا هذا، لا تزال “أم عصام” تجلس خلف ماكينتها، تحول قطع القماش الصماء إلى مساكات حرارية تتهافت عليها ربات البيوت، وتغزل بخيوط الصوف حكايات من الكروشيه تنبض بالدفء والإتقان.
تقول أم عصام إن علاقتها بالحرفة لم تتوقف عند حدود الهواية، بل تطورت لتصبح مشروعاً إنتاجياً صمد أمام متغيرات الزمن.وتضيف أنها اعتمدت على مهارتي الخياطة والحياكة لتكونا مصدراً أساسياً لتأمين احتياجات منزلها، مبرهنة على أن العمل اليدوي هو الضمانة الحقيقية للحياة الكريمة التي رزقها بها الله خلال هذه الفترة . فهي لم تكتفي بالخياطة والبيع بل قامت بالإشراف على دورة تعليمية وتدريبية بعنوان العلاج بالفنون ( الكروشيه) لجموعة من النساء بمؤسسة مجتمعية، جمعية النشاط النسوي/ مخيم دهيشة، ومن خلالها علمت النساء نسيج الصوف خطوة بخطوة من كيفية مسك السنارة والصوف الى نهاية الخيط ، وكما تشير بتجربتها إن الإيمان بالله سبحانه وتعالى هو البداية لحياة كريمة، فإن الاستمرارية في الإنتاج من الماضي إلى الحاضر تعكس إرادة صلبة لا تعرف الكلل.
وتجسيداً لمبدأ الاستدامة ونقل الخبرات، تظهر ام عصام العتيق في جمعية النشاط النسوي بمخيم دهيشة وهي تشرف على ورشة تدريبية لتعليم النساء فنون الحياكة والكروشيه. بحيث توثق اللحظات الدقيقة لتعليم كيفية التحكم بالسنارة وتأسيس الغرز الأولى، ضمن مبادرة تهدف إلى تمكين نساء المخيم اقتصادياً وفتح آفاق مهنية جديدة لهن تعتمد على المهارة اليدوية والإبداع الشخصي.

تجمع المنتجات المعروضة بين الجانب الوظيفي والجمالي حيث تظهر أم عصام وهي تقوم بتعليم السيدات على كيفية صنع قطع الكروشيه من البداية بكيفية مسك السنارة الى ادخال الخيط وختاماُ بقطعة صوف فريدة من نوعها
و تبرز قطع الكروشيه المتنوعة باشكالها والوانها ، والتي باتت تشكل علامة تجارية خاصة بـأم عصام ،بحيث تعتمد فيها على خامات الصوف الممتازة والتصاميم المبتكرة باقل الامكانيات المطلوبة .


وبين طيات الخيوط، تحكي لنا هذه اليدان قصة صمود لم تكسرها السنين. ليست مجرد غرز كروشيه، بل هي إرادة امرأة لم تعترف يوماً بكلمة ‘مستحيل’. رغم كل الظروف، لا تزال تبدع وتنتج، لتثبت لنا أن الشغف لا يشيخ أبداً.والعمر مجرد رقم حين تكون العزيمة من حديد.فاستمرارها في العمل والبيع رغم تقدم السن هو درس حيّ في المثابرة لكل شاب وشابة. قصتها تقول: “ابدأ بما تحب، واستمر مهما كانت الظروف وتوكل على الله بكل شي”. وهنا أكدت أم عصام عزيمتها وأرادتها في الاستمرار بمسيرتها نحو الامام وقامت على انشاء حساب على منصة التيك توك تنشر فيه ما تم صنعه وتداوله عبر مواقع التواصل الاجتماعي .
من غرزة الخيط الأولى إلى عالم الفضاء الرقمي اليوم، لم تكن السنين بالنسبة لأم عصام العتيق إلا دافعاً للإبداع المستمر وتطوير حرفتها التي بدأت منذ سن السابعة عشرة. فبإرادة صلبة لم تكسرها التحديات أو متغيرات الزمن، اختارت السيدة السبعينية أن تواكب العصر وتنشئ حسابها الخاص على منصة تيك توك؛ لتنشر فنها وتثبت أن الحرفة اليدوية والصوف سيبقى اثره موجوداً الى يومنا هذا .
إن قصة أم عصام هي رسالة ملهمة بأن الشغف لا يشيخ أبداً، وأن العزيمة من حديد تجعل العمر مجرد رقم؛ فاستمرارها في الإنتاج والتعليم رغم تقدم السن هو أكبر درس حيّ في المثابرة لكل شاب وشابة. وكما تقول أم عصام دائماً لتختم حكايتها: “ابدأ بما تحب، واستمر مهما كانت الظروف، وتوكل على الله في كل شيء
عمل الطالبة: ولاء الحرباوي
في باطن الأرض… مقاومة تُنحت بالصخر في الضفة الغربية

بعد الحرب على غزة في السابع من أكتوبر، شهدت الضفة الغربية تداعيات كبيرة؛ إذ فقد آلاف الفلسطينيين وظائفهم داخل الأراضي المحتلة، وتعرضت أراضيهم لتهديد المصادرة إلى جانب الهجمات المستمرة من المستوطنين، أصبح الخوف جزءًا من الحياة اليومية، كما بات القلق على المستقبل يسيطر على العائلات.
تقف الضفة الغربية اليوم أمام اختبار صمود جديد: كيف يحافظ الناس على الأرض والهوية في ظل هذه الضغوط؟ عبّر بعض الناس عن اعتراضهم من خلال الاحتجاجات، أو عبر صمت مؤقت، لكن هناك من اختار طرقًا مختلفة للمقاومة، صامتة لكنها عميقة.
صوريف: قصة صمود تحت الأرض
في بلدة صوريف شمال غرب الخليل، تجسدت هذه المقاومة بشكل ملموس، محمد الحيح مواطن فلسطيني يبلغ من العمر 51 عامًا، فقد عمله وتصريحاته للعمل داخل الأراضي المحتلة بعد الحرب.
محمد، الذي كان يعتمد على العمل في الداخل الفلسطيني، قرر ألا يستسلم للبطالة أو لسياسات التضييق والمصادرة التي طالت أراضي بلدته في عام 2025، فبدأ رحلة فريدة في باطن الأرض، حفر خلالها مغارة يدوية لتكون ملاذاً ورمزاً للبقاء.
تحت أرضه، بدأ محمد بحفر كهف بيديه، ملاذ آمن يحميه من هجمات المستوطنين ومن فقدان الأرض حيث قام باستخدام أدوات بسيطة فقال محمد : “ما كان عندي غير إرادتي… كل متر حفرته حسيت اني بثبت حالي بهاي الأرض” الكهف مش بس ملجأ، بل تحفة صمود . كل حجر وكل منحنى يحكي قصة الانتماء والمقاومة، ويحوّل الأرض لرمز ثبات
حسن نمر، شاب من قرية مجاورة، وصف الكهف قائلاً: “لما دخلت المغارة، فهمت شو يعني صمود.. محمد قاوم من غير صوت ولا صريخ، قاوم بإنّه عمل إشي دايم وموجود، إشي ما بقدروا يمحوه بقرار ولا بجرافة.”
إبداعٌ في صلب الصخر
عند دخول الكهف، تدرك أنك لست أمام مجرد حفرة في الأرض، بل أمام لوحة فنية منحوتة بعناية فائقة. محمد، الذي لم يتلقَ تعليماً هندسياً، استطاع بحسه الفطري ويده الماهرة أن يحول قسوة الصخر إلى مساحة مفعمة بالحياة قابلة للاستخدام.
أعمدة الكهف وزواياه منحوتة بشكل دقيق، ما يعكس الجهد المبذول في إنجازه. في الداخل، تظهر أشكال هندسية بسيطة مستوحاة من التراث الفلسطيني، إلى جانب نقوش صغيرة أضافها محمد لتخفيف قساوة الحجر وإعطاء المكان طابعًا أكثر راحة.
التوزيع الداخلي للكهف يعكس ذكاءً هندسياً؛ حيث صمم محمد زوايا مخصصة للجلوس، وأخرى لطهي الطعام، وحتى “رفوفاً” صخرية منحوتة في الجدار لعرض المقتنيات البسيطة. الإنارة الطبيعية تتسلل بذكاء عبر فتحات صغيرة مدروسة، لتنير المكان وتضفي عليه طابعاً ساحراً.

الواقع في صوريف
حسب بلدية صوريف، فقد معظم سكان البلدة وظائفهم وتصاريحهم بعد الحرب، وهو وضع يشبه ما يحدث في مختلف مناطق الضفة الغربية.
ويضيف غنيمات أحد سكان البلدة أن حالة محمد ألهمت الكثيرين للعودة إلى أراضيهم وتأهيلها، كنوع من “الحماية الذاتية” ضد التمدد الاستيطاني. “الناس بالحارة عايشة بقلق، خايفين على الأرض والبيوت، وخايفين أكثر على مستقبل ولادنا.. بس مغارة محمد بتذكرنا بكلمة وحدة: إنّه قوتنا بهالأدوات البسيطة وبتربية أجدادنا اللي علمونا نعشق الأرض ونتمسك فيها”
من الصخر إلى البيوت: حكاية إبداع مستمر
لم تتوقف رحلة محمد عند حدود الكهف، بل تحوّلت إلى بداية جديدة. فبعد أن اكتشف قدرته على النحت والعمل في الصخر، بدأ يستخدم هذه المهارة في بيوت الناس داخل البلدة والقرى المجاورة.
صار محمد يُبدع في تزيين الجدران برسوم ونقوش يدوية مستوحاة من التراث الفلسطيني، مستخدمًا أدوات بسيطة وروحًا مليئة بالإصرار.
يقول محمد: “الشغل اللي بلّش تحت الأرض، طلع للنور… صرت أشتغل بيوت الناس وأحط لمستي فيها، كأنه كل بيت بصير جزء من القصة.”
ومع مرور الوقت، لم يعد ما يقوم به مجرد عمل لتأمين لقمة العيش، بل أصبح شكلاً آخر من أشكال المقاومة؛ مقاومة تُعبّر عن الهوية بالجمال، وتحفظ الذاكرة في تفاصيل البيوت اليومية.
بهذا، لم يحفر محمد الأرض فقط ليبقى، بل حفر لنفسه طريقًا جديدًا للحياة، يحوّل فيه الألم إلى فن، والخوف إلى أثرٍ لا يُمحى.

الكهف رمز للتراث والمقاومة
داخل الكهف، يجتمع أهل القرية أحيانًا، ليصبح مكان يحمي التراث ويربط الناس بأرضهم، قال محمد عن الكهف: “أنا حبيت أقاوم بطريقة تدوم… الحجر والتراب باقين،. إن شاء الله أولادنا يعرفوا يحافظوا على أرضهم، يعيشوا عليها ويفتخروا فيها، زي ما إحنا عايشين.”
في ظل تهديد مستمر لأراضي الضفة الغربية، يقف كهف محمد كرمز صامت للمقاومة والتراث والانتماء العميق للأرض، رسالة تقول: هالأرض النا وبنصمد عليها
بينما يتساءل البعض إن كانت هذه العودة للأرض مجرد خطوة مؤقتة، يرى محمد الحيح فيها فرصة لإعادة إحياء العلاقة مع الهوية الفلسطينية، ويأمل أن تكون مغارته درساً للأجيال القادمة في كيفية الحفاظ على الوجود مهما بلغت الضغوط.

استراتيجيات الاحتلال لتهجير الفلسطينيين من مناطق (ج)
لم تكن مناطق (ج) يوماً مجرد حرف في اتفاقية سياسية،بل هي المخزون الاستراتيجي للضفة الغربية، والساحة الكبرى التي تحاول الاطماع الصهيونية إعادة رسم خريطتها. تشكل هذه المناطق، التي ولدت من رحم اتفاقية أوسلو الثانية عام 1995، نحو 61% من إجمالي مساحة الضفة، لكنها تحولت بمرور الزمن من منطقة انتقالية إلى ساحة مواجهة مفتوحة. حيث تفرض السلطات الإسرائيلية سيطرتها المدنية والأمنية الكاملة، يجد الفلسطيني نفسه غريباً في أرضه، محاصراً بآلات الهدم من جهة، وتغول المستوطنات من جهة أخرى
تتبع الحكومات الإسرائيلية في مناطق (ج) استراتيجية “الخنق الصامت” التي تهدف إلى تحويل حياة الفلسطينيين إلى عبء لا يُطاق لدفعهم نحو الرحيل الطوعي. هذه السياسة تحرم التجمعات السكانية من أبسط حقوق البنية التحتية، ويُمنع الأهالي من حفر آبار المياه أو مد شبكات الكهرباء، في وقت تتمدد فيه المستوطنات المجاورة بمرافق رفاهية كاملة. ووفقاً لبيانات “أوتشا” فإن ما يقارب 8,765 منشأة فلسطينية هدمت منذ عام 2010، منها مساكن مأهولة وحظائر أغنام، بذريعة “عدم الترخيص” التي ترفض السلطات الإسرائيلية منحها للفلسطينيين بنسبة تصل إلى 95%. هنا تتحول جرافات الاحتلال إلى أداة لتقويض الوجود الفلسطيني،لتفريغ الأرض من أصحابها ومنذ مطلع عام 2026 تتعرض الضفة لهجمات هدم المباني
تمثل قرية النعمان، الواقعة على التلال الشرقية لبيت لحم والواقعة جنوب القدس تقع خلف جدار الفصل العنصري وتصنف ضمن ما يسمى بـ “حدود بلدية القدس”. هي واقعة ضمن المناطق (ج) مناطق نفوذ الاحتلال المباشر …هنا، يُحارب الاحتلال الفلسطينيين بالقانون الذي يُفصل على مقاس التوسع الاستيطاني؛ فالقرية التي تعود جذور أهلها إلى قبيلة التعامرة العريقة، سقطت في فخّ جغرافي مُحكم بعد عام 1967، حين ضمت إسرائيل أرضها إلى نفوذ بلدية القدس، بينما رفضت منح سكانها “الهوية الزرقاء”، مما جعلهم عرضة لعملية تهجير صامتة بدأت بقرار عزلهم خلف جدار الفصل العنصري الذي التهم القرية من جهاتها الثلاث، وحوّلها إلى سجن مفتوح لا يمكن الدخول إليه أو الخروج منه إلا عبر حاجز عسكري يتحكم في أدق تفاصيل حياتهم حتى في كمية “ربطات الخبز” أو “أكياس الطحين” التي يُسمح لهم بإدخالها
وتزداد مرارة الواقع في النعمان مع تصاعد مخططات الإخلاء والتهجير القسري؛ حيث بدأت السلطات الإسرائيلية مؤخراً بالترويج لادعاءات تزعم أن أراضي القرية هي “أراضٍ مقدسة” أو محميات طبيعية، في محاولة لنزع الصفة القانونية عن وجود أهلها الأصليين الذين يملكون أوراق “طابو” تثبت ملكيتهم للأرض أباً عن جد. هذا الحصار الإداري جعل من القرية “منطقة محرمة” على البناء أو الترميم؛ فأي محاولة لإصلاح سقف منزل أو إضافة غرفة لمواجهة الزيادة الطبيعية للسكان تُجابه فوراً بإخطارات الهدم والاعتقال، بينما تواصل جرافات الاحتلال في الجهة المقابلة تمهيد الأرض لتوسيع مستوطنة “هار حوما” (جبل أبو غنيم) التي تلتهم الأفق. إن أهالي النعمان لا يواجهون فقط خطر الهدم المادي لبيوتهم، بل يواجهون محاولة لمحو تاريخهم، ويُطالبون بالرحيل عن قريتهم التي أصبحت حلقة وصل منسية بين مطرقة الجدار وسندان التهويد
ولا تتوقف فصول هذه المأساة عند عزل القرى وتهجير سكانها كما هو الحال في النعمان، بل تمتد لتطال أي محاولة فلسطينية لإعمار الأرض أو إضفاء لمسة جمالية عليها في عمق مناطق (ج). في قرية زعترة، تبرز قصة “منتزه سما البداية” كشاهدٍ حي على محاربة “الفرح الفلسطيني”؛ فهذا المعلم الذي شيده المواطن ابراهيم الوحش (أبو أنس) ليكون متنفساً طبيعياً لأهالي الريف الشرقي المحاصرين والذي كان المنتزه الوحيد في زعترة، تحول فجأة إلى هدفٍ مباشر للإدارة المدنية الإسرائيلية. حيث طاردته معاول الاحتلال بقرارات هدم متتالية بحجة “عدم الترخيص”، وهي الحجة الجاهزة دائماً لتعطيل أي مشروع فلسطيني، مما أجبر صاحبه في نهاية المطاف على إغلاقه بالاجبار فقد هدد بالاعتقال وتحويله الى ركام
وفي حديث مليء بالقهر، يروي أبو أنس مرارة التجربة التي تعكس حال أهالي زعترة، مؤكداً أن الهدف ليس قانونياً كما يُشاع، بل هو “هدمٌ نفسي” قبل أن يكون هدماً للحجر. يقول أبو أنس بنبرة يملؤها الصمود: “لم يكن منتزه سما البداية مجرد مشروع تجاري، بل كان حلماً بجمع الناس في أحضان الطبيعة. لسنوات وانا احاول انتزاع ترخيص دون جدوى، فطلباتنا تُرفض تلقائياً، بينما نشاهد المستوطنات الواقعة على التلال المجاورة تتمدد بآلاف الوحدات المرخصة والمزودة بكافة سبل الرفاهية.” ويضيف كاشفاً مخططات الاحتلال ناحية بلدة زعترة”الاحتلال لا يريد أن يرى هذه الأرض عامرة بالناس والحياة، بل يريدها صحراء خالية ليسهل عليه قضمها وضمها لاحقاً. لقد أرادوا بقرار الهدم كسر إرادتنا، لكن رسالتنا ورسالة أهلنا في زعترة واضحة: باقون هنا، فهذه الأرض هي بداية حكايتنا ونهايتها

تظل المناطق (ج) الساحة الأكثر تعقيداً، حيث يواجه الفلسطيني فيها حرباً صامتة تستهدف وجوده اليومي. ورغم آلات الهدم وضغوط الاستيطان، يبقى صمود الأهالي هو الرد الأقوى؛و هو تأكيدٌ على أن سياسة الأمر الواقع لن تنجح في اقتلاع صاحب الأرض من جذوره مهما بلغت التضحيات
عمر القيسي:وصية الجذور لأحفاد الكرامة
بين صخور ترفض النسيان ,وظل مستوطنةٍ تتربص بكل حبة تراب ,يكتب المزارع عمر القيسي حكايةً ليست ككل الحكايات هي قصة انسان قرر يكون جذراً لا يخلع ,ونبضاً لا يهدأ في صدر أرضٍ يحيط بها الإسمنت البارد من كل جانب هنا حيث حيث يلتقي الصمود بالصبر وحيث تتحول الزراعة من وسيلة للعيش الى صلاةٍ يومية في محراب الأرض نكتشف معنى أن تكون “حارس الذاكرة”في وجه محاولات التغيب . في هذه التلال ,لا يروي عمر شجره بالماء فقط ,بل بكرامةٍ تأبى أن تنحني موثقا في كل يوم أن الحق باقٍ ما دام هناك من يجرؤ على الحلم والزراعة تحت عيون الغرباء.
لندرك حجم التحدي ,علينا أولاً أن نرى “المكان”بعيون عمر ,حيث لا يفصل بين أغصان زيتونه وبين زحف المستوطنة إلا فضاءٌ ضيق ,لكنه فضاءٌ ممتد بالاف السنين من الحق.تأملوا هذه المواجهة الصامتة ,حيث تقف هذه الأرض الخضراء ,بتلالها الوعرة وأشجارها الصامدة ,وجهاً لوجه أمام بحرٍ من الإسمنت البارد يوشك أن يبتلع الأفق . في هذا التماس الحاد بين خضرة الشجر ورمادي الجدار ,يكتب عمر القيسي فصله الخاص من تاريخ الصمود ,موثقاً أن الأرض لا تزال تنطق بلغة أصحابها الأصليين.

إذا كانت الصورة أين يقف عمر ,فإن الفيديو التالي يوثق لماذا يصر على البقاء هنا نترك الكلمة لصاحب الأرض وحيث يكسر عمر القيسي صمته ليأخذنا في رحلةٍ عبر ذكرياته ,متحدثاً عن جذوره الضاربة في هذه التلال واللحظة التي بدأ فيها هذا الزحف الإستيطاني يغير ملامح أفقه استمعوا إلى شهادته الحية وهو يروي حكاية “الجار الغريب” الذي نبت كجسمٍ غريبٍ في خاصرة أرضه ,وكيف تحولت يومياته من مجرد زراعةٍ وفلاحة إلى معركة وجودٍ يومية يرويها بصوته وقلبه.
ما سمعناه في هذه المقابلة ليس مجرد كلمات عابرة بل هو نزيفُ ذاكرةٍ تأبى التزوير.عندما تحدث عمر القيسي بحرقة عن تلك اللحظة التي ظهر فيها “المستوطن” فجأةً فوق قمة جبلٍ كان يملكه اّباؤه ,لم يكن يروي واقعةً عابرة ,بل كان يصف زلزالاً حاول اقتلاع جذوره .
إن نبرة صوته وهو يتحدث عن أرضه ,ليست نبرة مزارعٍ يخشى على محصوله فحسب ,بل هي نبرة حارسٍ يخشى على تاريخه من الإندثار في ظل هذا الحصار الذي يراه العالم خلافاً جغرافياً ,بينما يراه عمر جرحاً نازفاً في خاصرة التل الذي يهدد هويته وحقه الأصيل.
وبعد أن تعايشنا مع تفاصيل المكان وصوت صاحبه ,نحتزل هذا الصمود كله في رسالة بصرية مكثفة ,بطاقة تجمع بين عمق الكلمة وصلابة المشهد ,لتكون بمثابة شعار لهذه الرحلة وتظل محفورة في ذاكرة كل من يمر بهذه القصة.

شرحت هذه البطاقة البصرية جوهر الصراع والإرتباط بالتراب حيث يظهر المزارع في مقدمة المشهد متمسكاً ب “معوله” كأنه سلاحٌ لحمايو الوجود ,وخلفه ترفرف الكوفية والعلم الفلسطيني كرمزٍ للهوية التي لا تنكسر . في الخلفية ,يبرز التناقض الصارخ الذي رأيناه في الصور الواقعية فبينما تتجذر الأشجار في الأرض ترتفع أسوار المستوطنة والياتها كأجسام غرييبة تحاول التهام الأفق وهذه الكلمات “الأرض لنا زالصمود قرارنا وولن نرحل لأن جذورنا هنا ” ليست مجرد كلمات عابرة بل هي الميثاق الذي يعيشه عمر يومياً فهو يزرع اليوم ليورث أحفاده الكرامة والحرية ,محولاً فعل الزراعة إلى رسالة تحد بصرية تنطق بالحق التاريخي في وجه التمدد الإستيطاني.
في ختام هذه الحكاية يغادرنا وجه عمر القيسي المتعب والمليء بالأمل ليبقى صوته صدى يتردد في أركان هذه التلال الشاهدة على الصمود إن ما شاهدناه عبر هذه الوسائط ليس مجرد قصة عن مزارع محاصر بل هو ملحمة إنسانية تخبرنا أن الجدران والاليات مهما علت او توحشت في نهش الجبل تظل جسماً غريباً عن روح الأرض وأصالة أهلها.
قصة عمر هي الرسالة الأخيرة لنا جميعاً :أن الجذور التي تأبى الإنكسار هي وحدها من يكتب التاريخ ,وأن الأرض ,في نهاية المطاف ,لا تعترف إلا بمن يملك نبضها ,ويحمي عهدها ويقرر أن يكون الصمود هو قراره الأبدي.
الخصوصية في المخيمات: حين تصبح الجدران آذان