من مدينة السلام الى رُكام غزة… مضمار شعبٍ ركض للحُرية (إعداد الأمين سند)

بعد توقف قسري فرضه واقع حرب الإبادة والعدوان لعامين متتاليين على قطاع غزة، عادت ساحة المهد في بيت لحم لتشهد انطلاق النسخة العاشرة من ماراثون فلسطين الدولي لعام 2026. حملت هذه الانطلاقة من “مدينة السلام” ومهد السيد المسيح أبعاداً سياسية وإنسانية بليغة؛ إذ تحولت شوارع المدينة التاريخية المحاصرة بالاستيطان وجدار الفصل العنصري إلى منصة عالمية تصدح بصوت شعبٍ يصر على الصمود، ليركض الآلاف من قلب رمزية المكان التاريخي مطالبين بإنهاء الاحتلال ورفع القيود عن الإنسان الفلسطيني.
.غزة الحاضرة: صراع التواصل وسباق التحدي تحت وطأة الركامرغم حرب الإبادة
برزت وحدة الجغرافيا الفلسطينية في أبهى صورها من خلال تنظيم سباق موازٍ بقطاع غزة (لمسافة 5 كيلومترات) انطلق شمالاً من جسر وادي غزة بمشاركة 2523 عداءً بينهم من فقدوا أطرافهم. واجهت اللجنة المنظمة صعوبات معقدة في التواصل والتنسيق مع رياضيي القطاع لإطلاق شارة البدء في ذات اللحظة، نتيجة الانقطاع المتكرر لشبكات الاتصال والإنترنت وغياب مقومات التنظيم الأساسية هناك، إلا أن هذا الإصرار الفني أثبت للعالم استحالة فصل غزة عن عمقها الوطني، وجعل من الركض فوق الركام رسالة تحدٍ حية في وجه الإبادة
كونٌ يركض في مهد المسيح: العالم يتوحد في مضمار الحرية لفلسطين
تميزت هذه النسخة بزخم تضامني دولي واسع، حيث سجل الماراثون مشاركة أكثر من 13 ألف عداء (بما يشمل السباق الافتراضي)، من بينهم نحو 1000 عداء أجنبي وفدوا إلى بيت لحم يمثلون 75 دولة حول العالم، ليركضوا على مسار اضطر المنظمون لتكراره مرتين (في سباق 42 كم) لعدم وجود مسار متصل بطول هذه المسافة دون حواجز عسكرية

قيدٌ ينكسر في ساحة المهد: الأسير المحرر محمد العاصي ينتزع وصافة الماراثون بعد عتمة السجون
شهدت منصات التتويج في هذه النسخة تلاحماً إنسانياً عزز رسالة الماراثون؛ فالمسألة لم تكن مجرد أرقام قياسية وساعات مسجلة، بل كانت حكايات واقعية حملها الأبطال معهم حتى خط النهاية. وبرز هذا البُعد الإنساني بوضوح في سباق الماراثون الكامل (42.195 كم)، بعد نجاح الأسير المحرر محمد توفيق العاصي (27 عاماً) في انتزاع المركز الثاني بجدارة.
العاصي، وهو من مخيم الدهيشة جنوب بيت لحم، أُفرج عنه حديثاً بعد أن أمضى 32 شهراً داخل سجون الاحتلال. ورغم ظروف الأسر الصعبة والانقطاع الطويل عن المضمار، بدأ فور تحرره رحلة تحدٍّ لإعادة بناء لياقته البدنية، مستعيناً بفترة تحضير قصيرة ومكثفة لم تتجاوز ستة أشهر فقط.
وأوضح العاصي في تصريحاته الصحفية أن مشاركته هذا العام اختلفت تماماً عن مشاركاته في السنوات التي سبقت اعتقاله بسبب ما مر به من ظروف قاسية داخل المعتقلات، ليكون وصوله اليوم إلى منصة التتويج في ساحة المهد تجسيداً حياً لقدرة الرياضي الفلسطيني على تجاوز آثار الأسر واستعادة حضوره في الميدان

…أصوات من المضمار
خطوة أخيرة.. والحرية ما زالت في أول المدى
حين انطفأت شارة البدء وهدأت وتيرة الأقدام في ساحة المهد، لم ينتهِ الماراثون فعلياً؛ فالأثر الذي تركه عداءو هذه النسخة سيبقى محفوراً في ذاكرة شوارع بيت لحم هذه النسخة لم تكن عن الميداليات أو تحطيم الأرقام القياسية، بل كانت بياناً إنسانياً كُتب بالجهد والصبر والتحدي، ليقول للعالم إن الحواجز وجدار الفصل العنصري، وحتى سنوات الغياب والقيد، لا يمكنها أن تكبح جماح شعبٍ قرر أن يركض نحو فجره.
لقد تلاقت أنفاس المتضامنين الدوليين مع إصرار عداءي الضفة، وتزامنت مع خطوات الأمل فوق ركام غزة، لتتحول كل خطوة في هذا السباق إلى صرخة حرية جماعية. ومع وصول آخر عداء إلى خط النهاية بجوار كنيسة المهد، بقيت الرسالة الأعمق معلقة في فضاء المدينة: إن شعار “نركض للحرية” ليس مجرد حبرٍ على قمصان رياضية، بل هو نبض شعب، ومسيرة حياة، وحق مقدّس يستمر السعي خلفه حتى يُغلق قوس المعاناة وتتحرر الأرض والإنسان.






















أحدث التعليقات