Arabic Department

من مدينة السلام الى رُكام غزة… مضمار شعبٍ ركض للحُرية (إعداد الأمين سند)

بعد توقف قسري فرضه واقع حرب الإبادة والعدوان لعامين متتاليين على قطاع غزة، عادت ساحة المهد في بيت لحم لتشهد انطلاق النسخة العاشرة من ماراثون فلسطين الدولي لعام 2026. حملت هذه الانطلاقة من “مدينة السلام” ومهد السيد المسيح أبعاداً سياسية وإنسانية بليغة؛ إذ تحولت شوارع المدينة التاريخية المحاصرة بالاستيطان وجدار الفصل العنصري إلى منصة عالمية تصدح بصوت شعبٍ يصر على الصمود، ليركض الآلاف من قلب رمزية المكان التاريخي مطالبين بإنهاء الاحتلال ورفع القيود عن الإنسان الفلسطيني.

.غزة الحاضرة: صراع التواصل وسباق التحدي تحت وطأة الركامرغم حرب الإبادة

برزت وحدة الجغرافيا الفلسطينية في أبهى صورها من خلال تنظيم سباق موازٍ بقطاع غزة (لمسافة 5 كيلومترات) انطلق شمالاً من جسر وادي غزة بمشاركة 2523 عداءً بينهم من فقدوا أطرافهم. واجهت اللجنة المنظمة صعوبات معقدة في التواصل والتنسيق مع رياضيي القطاع لإطلاق شارة البدء في ذات اللحظة، نتيجة الانقطاع المتكرر لشبكات الاتصال والإنترنت وغياب مقومات التنظيم الأساسية هناك، إلا أن هذا الإصرار الفني أثبت للعالم استحالة فصل غزة عن عمقها الوطني، وجعل من الركض فوق الركام رسالة تحدٍ حية في وجه الإبادة

كونٌ يركض في مهد المسيح: العالم يتوحد في مضمار الحرية لفلسطين

تميزت هذه النسخة بزخم تضامني دولي واسع، حيث سجل الماراثون مشاركة أكثر من 13 ألف عداء (بما يشمل السباق الافتراضي)، من بينهم نحو 1000 عداء أجنبي وفدوا إلى بيت لحم يمثلون 75 دولة حول العالم، ليركضوا على مسار اضطر المنظمون لتكراره مرتين (في سباق 42 كم) لعدم وجود مسار متصل بطول هذه المسافة دون حواجز عسكرية

قيدٌ ينكسر في ساحة المهد: الأسير المحرر محمد العاصي ينتزع وصافة الماراثون بعد عتمة السجون

شهدت منصات التتويج في هذه النسخة تلاحماً إنسانياً عزز رسالة الماراثون؛ فالمسألة لم تكن مجرد أرقام قياسية وساعات مسجلة، بل كانت حكايات واقعية حملها الأبطال معهم حتى خط النهاية. وبرز هذا البُعد الإنساني بوضوح في سباق الماراثون الكامل (42.195 كم)، بعد نجاح الأسير المحرر محمد توفيق العاصي (27 عاماً) في انتزاع المركز الثاني بجدارة.

العاصي، وهو من مخيم الدهيشة جنوب بيت لحم، أُفرج عنه حديثاً بعد أن أمضى 32 شهراً داخل سجون الاحتلال. ورغم ظروف الأسر الصعبة والانقطاع الطويل عن المضمار، بدأ فور تحرره رحلة تحدٍّ لإعادة بناء لياقته البدنية، مستعيناً بفترة تحضير قصيرة ومكثفة لم تتجاوز ستة أشهر فقط.

وأوضح العاصي في تصريحاته الصحفية أن مشاركته هذا العام اختلفت تماماً عن مشاركاته في السنوات التي سبقت اعتقاله بسبب ما مر به من ظروف قاسية داخل المعتقلات، ليكون وصوله اليوم إلى منصة التتويج في ساحة المهد تجسيداً حياً لقدرة الرياضي الفلسطيني على تجاوز آثار الأسر واستعادة حضوره في الميدان

…أصوات من المضمار

خطوة أخيرة.. والحرية ما زالت في أول المدى

حين انطفأت شارة البدء وهدأت وتيرة الأقدام في ساحة المهد، لم ينتهِ الماراثون فعلياً؛ فالأثر الذي تركه عداءو هذه النسخة سيبقى محفوراً في ذاكرة شوارع بيت لحم هذه النسخة لم تكن عن الميداليات أو تحطيم الأرقام القياسية، بل كانت بياناً إنسانياً كُتب بالجهد والصبر والتحدي، ليقول للعالم إن الحواجز وجدار الفصل العنصري، وحتى سنوات الغياب والقيد، لا يمكنها أن تكبح جماح شعبٍ قرر أن يركض نحو فجره.

لقد تلاقت أنفاس المتضامنين الدوليين مع إصرار عداءي الضفة، وتزامنت مع خطوات الأمل فوق ركام غزة، لتتحول كل خطوة في هذا السباق إلى صرخة حرية جماعية. ومع وصول آخر عداء إلى خط النهاية بجوار كنيسة المهد، بقيت الرسالة الأعمق معلقة في فضاء المدينة: إن شعار “نركض للحرية” ليس مجرد حبرٍ على قمصان رياضية، بل هو نبض شعب، ومسيرة حياة، وحق مقدّس يستمر السعي خلفه حتى يُغلق قوس المعاناة وتتحرر الأرض والإنسان.

بين الحصار والتقليص خارطة واحدة يجمعها وجع العطش

على أسطح المنازل المرتفعة في محافظات الضفة الغربية ، ترتسم “غابة” من الخزانات البلاستيكية السوداء؛ مشهدٌ بصري يختزل قصة العطش السنوي المتجدد مع كل صيف. هنا، لا يقاس الوقت بالساعات، بل بالأيام والأسابيع التي تفصل المواطن عن “دوره” في جدول توزيع المياه، والذي بات أشبه بموعد مؤجل ينتظره الجميع على الشاشات والصنابير بلهفة وقلق.
بين هسيس الهواء الذي يملأ الأنابيب الفارغة، وضجيج مضخات تبحث عن ضغط مفقود، تواجه الهيئات الرسمية المحلية معادلة صعبة؛ حصص مائية محدودة يتحكم بها الاحتلال في الخطوط الناقلة، مقابل استهلاك يتضاعف في ذروة الصيف، .

ص

لوضع النقاط على الحروف وفهم التحديات التشغيلية التي تواجه خطوط الضخ، نتوجه إلى صناع القرار في الميدان. فالمسؤولية الملقاة على عاتق الجهات المحلية تتطلب إدارةً دقيقة لكل لتر متاح وسط ظروف جيوسياسية معقدة.
في التسجيل الصوتي التالي، يشرح لنا السيد أنور علاوي، من سلطة مياه ومجاري بيت لحم، كواليس هذه المعادلة الصعبة، وكيف تحاول الطواقم الفنية توزيع الحصص المائية بعدالة بالرغم من محدودية المصادر والتقليصات المستمرة:

لكن بيت لحم ليست وحدها في هذه المعركة الصامتة ضد العطش؛ فالأزمة الممتدة من جبالها وأوديتها تمتد جذورها لتشمل معظم محافظات الضفة الغربية، التي تتشارك في ذات المعاناة والسبب.
إن غياب السيادة الفلسطينية على مصادر المياه والآبار الجوفية، وتحكّم الجانب الإسرائيلي بالخطوط الناقلة عبر شركة “ميكوروت”، حوّل قطرة الماء من حقٍ أساسي إلى أداة ضغط سياسي واقتصادي يعاني منها الكل الفلسطيني. في الصيف، بينما تنتعش المستوطنات بالوفرة المائية، تصاب البلدات والقرى الفلسطينية المجاورة بجفافٍ قسري.
لأخذ صورة أشمل وأعمق، تستعرض الخريطة التفاعلية التالية واقع توزيع المياه وحجم العجز المائي في مختلف المحافظات الفلسطينية خلال ذروة فصل الصيف، لتظهر كيف يتوزع “العطش”

تستند المؤشرات الموضحة في الخريطة التفاعلية أعلاه إلى مسوح ميدانية وتقارير رسمية مشتركة صادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني وسلطة المياه الفلسطينية. تعكس هذه البيانات التفاوت الجغرافي الحاد وحجم الفجوة في التوزيع المائي الصيفي بين المحافظات؛ حيث يتضح جلياً تركز الأزمة الخانقة في محافظات جنوب وشمال الضفة الغربية نتيجة تحكم الجانب الإسرائيلي بالتدفقات وضخ الخطوط الناقلة.



: بين الحصار والتقليص خارطة واحدة يجمعها وجع العطش

ولا تتوقف فصول هذه المعركة الصامتة عند حدود جبال الضفة الغربية وأوديتها؛ ففي قطاع غزة المكلوم، يتخذ العطش شكلاً أكثر قسوة وضراوة. هناك، حيث حوّلت الحرب المستمرة تدمير البنية التحتية، وقصف محطات تحلية المياه، وقطع خطوط الإمداد التابعة للاحتلال، قطرة الماء النقية من حق طبيعي إلى حلم بعيد المنال ومسألة صراع يومي من أجل البقاء.
بين تفاصيل الطوابير الطويلة للأطفال والنساء الحاملين للأواني الفارغة في غزة بحثاً عن لترات معدودة من المياه غير الصالحة للشرب تماماً، وبين جفاف صنابير البيوت لأسابيع طويلة في قرى بيت لحم والخليل؛ يتشابه المشهد المأساوي وتلتقي المعاناة. إنها سياسة تعطيش ممنهجة تفرض قيودها على الكل الفلسطيني، لتؤكد أن وجع العطش واحد على خارطة الوطن، وإن اختلفت الأدوات بين بتر الخطوط الناقلة في الوسط والجنوب، والتدمير الكامل لمقومات الحياة في القطاع.

ملامح من المعاناة اليومية لأهلنا في قطاع غزة للحصول على المياه في ظل تدمير شبكات الإمداد الشاملة.
(المادة المرئية وثقها المصور: [the sameer project عبر تطبيق الانستغرام])

في المحصلة، لم تعد أزمة المياه في فلسطين مجرد مسألة “شح طبيعي” في الموارد أو تفاوت فصلي تفرضه حرارة الصيف؛ بل هي مرآة تعكس أعمق صور التمييز والسيطرة على مقدرات الحياة الأساسية. فبينما تقاس حصص المواطن الفلسطيني بالليترات الشحيحة وتحت وطأة الجداول المؤجلة، تنعم المستوطنات المقامة على الأرض ذاتها بوفرة مائية تفيض عن الحاجة؛ ليتحول الحق الإنساني الأول والأبسط—حق البقاء—إلى أداة ضغط سياسي يومي يعيشه الصغير والكبير.
إن الأرقام والخرائط الإحصائية المعروضة في هذا التقرير لا تتحدث عن كميات مجردة، بل تروي قصة صمود يومي وعطش يتشارك فيه الكل الفلسطيني من قمم جبال الضفة الغبيرية إلى ركام البنية التحتية في قطاع غزة. ومع استمرار هذا النزيف المائي، يظل الصنبور الجاف في بيوتنا شاهداً حياً على قضية لا تبحث فقط عن حلول تقنية أو خطوط ناقلة جديدة، بل تصرخ في وجه العالم مطالبةً بعدالة مفقودة تعيد للحق أصحابه وتنقذ الأرض والإنسان من عطش قسري يهدد الوجود.

العطش اليومي: كيف يعيش سكان المخيمات مع أزمة انقطاع المياه؟

إعداد الطالب: نور الدين امجد ابو لبن

اشراف الاستاذ: هشام اللحام

JMCO 346

في المخيمات الفلسطينية، لا ترتبط المعاناة فقط بالاكتظاظ وضيق المساحات، بل تمتد إلى واحدة من أبسط الاحتياجات اليومية: المياه. داخل الأزقة الضيقة والبيوت المتلاصقة، يعيش السكان أزمة مستمرة تتعلق بضعف وصول المياه أو انقطاعها المتكرر، في ظل بنية تحتية قديمة وكثافة سكانية مرتفعة.

بالنسبة لكثير من العائلات، أصبح وصول المياه حدثا يوميا يجب الاستعداد له مسبقا. بعض السكان يضطرون لتخزين المياه في خزانات كبيرة أو أوعية منزلية خوفا من انقطاعها، بينما تعاني عائلات أخرى من ضعف وصول المياه إلى منازلها، خاصة في الأدوار المرتفعة أو المناطق المكتظة داخل المخيم.

ومع ارتفاع درجات الحرارة خلال فصل الصيف، تتضاعف الأزمة بشكل أكبر، حيث يزداد استهلاك المياه مقابل ضعف الكميات المتوفرة. ويقول سكان إنهم يضطرون أحيانا لتأجيل أعمال منزلية أساسية، مثل الغسيل أو التنظيف، بسبب عدم توفر المياه بشكل كافٍ.

ولا تتعلق المشكلة فقط بكمية المياه، بل بقدرة البنية التحتية على إيصالها بشكل منتظم. فشبكات المياه القديمة داخل بعض المخيمات تعاني من ضغط كبير نتيجة ارتفاع عدد السكان مقارنة بحجم الخدمات المتاحة، ما يؤدي إلى ضعف الضخ أو انقطاع المياه لساعات طويلة.

ويؤكد سكان أن أزمة المياه أصبحت جزءً من تفاصيل حياتهم اليومية، حيث يضطرون لتنظيم يومهم وفق مواعيد وصول المياه، في محاولة للاستفادة من الكميات المتاحة قبل انقطاعها من جديد.

ورغم هذه الظروف، يحاول السكان التكيف بطرق مختلفة، مثل تقليل الاستهلاك أو تخزين المياه، لكن هذه الحلول تبقى مؤقتة أمام أزمة مستمرة تؤثر على الحياة اليومية داخل المخيمات.

تنقل مقابلة مع أحد سكان المخيم تجربة الحياة اليومية في ظل أزمة المياه داخل المخيم. 

يظهر الرسم البياني حجم الضغط الواقع على خدمات المياه داخل المخيمات الفلسطينية، من خلال مقارنة عدد السكان بعدد البيوت ومصادر المياه المتوفرة. وتشير البيانات إلى أن الكثافة السكانية المرتفعة داخل بعض المخيمات تزيد من الضغط على شبكات المياه، ما يؤدي إلى ضعف وصول المياه أو انقطاعها بشكل متكرر، خاصة في المناطق الأكثر اكتظاظا.

في هذا البودكاست، يروي سكان من داخل المخيم تفاصيل معاناتهم اليومية مع أزمة المياه، خاصة أن المياه تصل إلى بعض المنازل مرة كل 20 يوما، ما يجبر العائلات على تخزين المياه ومحاولة توزيعها بحذر حتى موعد الضخ التالي.

https://drive.google.com/file/d/1lwOL9MT9rhtTujRj6JZO0oyS2JEtDzzM/view?usp=sharing

“بين الانتظار الطويل ومحاولات التوفير المستمرة، تبقى المياه واحدة من أكثر التحديات التي تؤثر على تفاصيل الحياة اليومية داخل المخيمات الفلسطينية.”

تظهر الصورة خزانات المياه المنتشرة فوق أسطح المنازل داخل المخيم، في مشهد يعكس اعتماد السكان على تخزين المياه بسبب ضعف وصولها أو انقطاعها المتكرر. ومع الاكتظاظ السكاني وضغط البنية التحتية، أصبحت خزانات المياه جزءً أساسيا من الحياة اليومية داخل المخيمات الفلسطينية.

في النهاية، لا تبدو أزمة المياه داخل المخيمات مشكلة مؤقتة، بل واقعا يوميا يفرض نفسه على آلاف العائلات. وبين الانتظار والتكيف، تستمر معاناة السكان مع واحدة من أبسط الحقوق الأساسية: الوصول إلى المياه.

أزمة المياه في فلسطين

يعد الاحتلال الإسرائيلي سبباً رئيسياً لأزمة المياه في فلسطين، حيث سيطر على جزء كبير من الموارد المائية المشتركة، وفرَض قيوداً على حفر الآبار الجديدة أو تعميق الآبار القائمة في المناطق الفلسطينية، مما أثر على معيشة المواطن الفلسطيني في شتٌى مجالات الحياة.

امتد تأثير هذه الازمة إلى القطاع الزراعي الذي يعتمد بشكل أساسي على توفر المياه لري المحاصيل. فعلى سبيل المثال مع تراجع كميات المياه المتاحة، وجد العديد من مزارعي بلدة سعير شمالي الخليل أنفسهم مضطرين إلى شراء المياه وتخزينها في برك خاصة لضمان استمرار ري أراضيهم. ويؤدي ذلك إلى زيادة النفقات الزراعية، ما يضع المزارعين أمام تحديات إضافية في الحفاظ على إنتاجهم واستمرار عملهم. الصورة في منطقة الدوارة – سعير

أدت ازمة المياه كذلك إلى عزوف كثير من المزارعين عن زراعة بعض أنواع محاصيلهم المعتادة، ففي بلدة سعير قلت زراعة محاصيل البندورة المروية بشكل ملحوظ، حيث أصبحت التكاليف المالية للزراعة أكبر من الأرباح التي يجنيها المزارع، ما أدى إلى حدوث جفاف في الأراضي الزراعية وتصحر جزئي فيها. الصورة في منطقة واد الريم – سعير

تمس ازمة المياه نشاط المزارع اليومي بشكل مباشر داخل ارضه، اذا تتحول الى معاناة يومية يعيشها المزارعون، في التسجيل التالي، يروي أحد المزارعين من بلدة سعير تجربته مع شح المياه، وكيف أثّر ذلك على عمله الزراعي في البلدة وتكاليف الإنتاج واستمرارية الزراعة في أرضه.

في ظل الزيادة الطبيعية لحاجة المواطن الفلسطيني للمياه، نجد انخفاض في كمية المياه المتاحة سنويا في فلسطين، حيث تعكس البيانات الرسمية تذبذبًا واضحًا في كميات المياه المتاحة سنويًا في فلسطين خلال السنوات الأخيرة، مع تسجيل انخفاض ملحوظ في بعض الفترات. ويُظهر هذا التغير عدم استقرار في توفر الموارد المائية، ما ينعكس على مختلف القطاعات المرتبطة بالاستهلاك والإنتاج. وتعتمد هذه البيانات على إحصاءات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، الذي يوثق التغيرات السنوية في الموارد المائية.

تُظهر الأرقام أن كميات المياه المتاحة في فلسطين شهدت تذبذبًا خلال السنوات الأخيرة؛ حيث بلغت 449.8 مليون متر مكعب عام 2020، ثم انخفضت إلى 438.7 مليون متر مكعب في عام 2021. وبعد ذلك سجلت ارتفاعًا طفيفًا في عام 2022 لتصل إلى 445.7 مليون متر مكعب، قبل أن تنخفض بشكل أوضح في عام 2023 إلى 396.1 مليون متر مكعب، وهو أدنى مستوى خلال الفترة المذكورة.

وسط مخاوف متزايدة.. أهالي الأسرى الفلسطينيين يرفضون مشروع قانون الإعدام الاسرائيلي

Screenshot

دخل قانون “إعدام الأسرى الفلسطينيين” حيز التنفيذ العملي في الضفة الغربية بعد توقيع قائد القيادة الوسطى للجيش الإسرائيلي التعديل العسكري اللازم لتطبيقه في المحاكم العسكرية. يُتيح هذا التشريع، الذي أقره الكنيست، الحكم بالإعدام شنقاً على فلسطينيين مدانين بتنفيذ هجمات مميتة ضد إسرائيليين وتصنف كـ “عمل إرهابي” أو بدوافع تتعلق بـ “إنكار وجود دولة إسرائيل”. 

قال مركز القيم والديمقراطية إن القانون سيُطبَّق في الأراضي التي توجد فيها محاكم عسكرية، وهي محاكم مخصصة للفلسطينيين، كما سيُطبَّق داخل المحاكم الإسرائيلية، ولكن فقط على الأنشطة التي تُصنَّف “إرهابية” بدافع تقويض وجود إسرائيل. ويعني ذلك أن اليهود لن يخضعوا للمحاكمة بموجب هذا القانون.

و بهذا نظّم أهالي الأسرى في مدينة الخليل وقفةً احتجاجية رفضًا لمشروع قانون الإعدام بحق الأسرى الفلسطينيين.

وفي هذا السياق، قال مدير نادي الأسير الفلسطيني في مدينة الخليل في حديثٍ خاص حول واقع الأسرى وتداعيات هذا القانون: ” ان هذا القانون هو قانون إجرامي عنصري مخالف للاتفاقيات الدولية و من الناحية القانونية هو غير قانوني و في حال نفذ فهي جريمة كبرى بحق أسرانا.” 

https://soundcloud.com/nataly-nasser/m4a?si=b78545cc2c154d90849442569ecc6005&utm_source=clipboard&utm_medium=text&utm_campaign=social_sharing

ويبيّن المخطط الزمني الآتي أبرز مراحل مشروع قانون إعدام الأسرى والتطورات التي رافقت مسار إقراره وتطبيقه.

إن محاولات تشريع إعدام الأسرى الفلسطينيين لا يمكن فصلها عن سياق أوسع من الانتهاكات التي تمس جوهر الحماية القانونية الدولية، إذ تمثل خرقاً مزدوجاً لكل من قواعد القانون الدولي الإنساني التي تنظم سلوك سلطة الاحتلال، وقواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان التي تكفل الحق في الحياة والمحاكمة العادلة. ومن ثم، فإن هذا التوجه لا يكتسب فقط صفة عدم المشروعية، بل يرقى إلى كونه تحدياً مباشراً للنظام القانوني الدولي برمته، وتقويضاً لمبادئ العدالة ككل.

وفي الوقت الذي يواصل فيه أهالي الأسرى رفضهم لمشروع قانون الإعدام، تبقى مطالبهم متمسكة بحق أبنائهم في الحياة والكرامة. وبين الوقفات التضامنية والأصوات المطالِبة بالحماية، تستمر قضية الأسرى بوصفها قضية مركزية في المشهد الفلسطيني، تحظى بحضور دائم واهتمام واسع على المستويين الشعبي والحقوقي.

من المعبر إلى المعول: كيف عاد المواطنون إلى الزراعة بعد الحرب

في ظلّ الحرب المستمرة وما رافقها من أزمة اقتصادية متصاعدة، تعيش مدن وبلدات الضفة الغربية واقعًا معيشيًا صعبًا، بعد توقّف آلاف الفلسطينيين عن الوصول إلى أماكن عملهم داخل أراضي الداخل المحتل، وفقدان كثير من الأسر لمصدر دخلها الأساسي.

في ظلّ الحرب المستمرة وما رافقها من أزمة اقتصادية متصاعدة، تعيش مدن وبلدات الضفة الغربية واقعًا معيشيًا صعبًا، بعد توقّف آلاف الفلسطينيين عن الوصول إلى أماكن عملهم داخل أراضي الداخل المحتل، وفقدان كثير من الأسر لمصدر دخلها الأساسي.

Untitled
Infogram

هذا الواقع لم يقتصر على مدينة أو منطقة بعينها، بل امتدّ إلى مختلف أنحاء الضفة الغربية، حيث وجد آلاف العمّال أنفسهم أمام تحديات اقتصادية جديدة فرضت عليهم البحث عن بدائل سريعة لتأمين احتياجاتهم اليومية ومواصلة الحياة، ومن بين هذه البلدات، برزت صوريف كنموذج واضح لهذا التحوّل، ففي البلدة الواقعة شمال غرب الخليل، اتّجه عدد من الأهالي إلى الأرض، بعد أن فقد كثيرون أعمالهم أو توقفت مصادر دخلهم بفعل الحرب، فمن كان يعمل داخل أراضي الداخل المحتل لسنوات طويلة، ويعتمد على هذا العمل كمصدر رزق أساسي له ولأسرته، عاد اليوم إلى الحقول الزراعية، يحاول أن يصنع من الأرض بديلًا ممكنًا في ظلّ واقع اقتصادي متقلّب.

في صوريف، لم تكن العودة إلى الزراعة مجرّد قرار اقتصادي… بل كانت استجابة فرضتها الظروف، استجابة أعادت كثيرين إلى الأرض التي عرفوها دائمًا، لكنهم عادوا إليها هذه المرة بوصفها مصدرًا للعمل والدخل والاستمرار.

ومن هنا تبدأ الحكاية… حكاية عمّال عادوا من المعابر إلى الحقول، ومن انتظار العمل إلى زراعة الأرض.

ما بين الأزمة والاستمرار

ورغم أن العودة إلى الأرض شكّلت بابًا جديدًا لكثير من المواطنين بعد الحرب، إلا أن العمل فيها لم يكن كما يبدو من بعيد، إذ يواجه المزارعون يوميًا صعوبات متعددة تهدّد استمرارهم في العمل بالأرض، تكشف هذه التجربة جانبًا آخر من الحياة الزراعية، جانبًا يرافق المزارعين في تفاصيل يومهم ويختبر قدرتهم على الاستمرار. وبين التمسّك بالأرض والرغبة في البقاء، تمضي هذه الرحلة محمّلة بالكثير مما لا يُرى من النظرة الأولى. 

هذا الانيميشن يتناول أرقام لا تعبر فقط عن التغيّر الإقتصادي.. بل تكشف عن تحوّل اجتماعي واضح فرضته الحرب على شكل الحياة والعمل في البلدة

“رجعنا للأرض لأن ما ضلّش خيار ثاني”

يقول أحد عمّال صوريف، والذي كان يعمل داخل أراضي الداخل المحتل قبل الحرب: “ أنا  كنت أشتغل بالداخل من سنين، وكان شغلي هو مصدر الدخل الأساسي إلنا بالبيت. بعد الحرب وقف الشغل فجأة وصار الواحد مش عارف شو يعمل… قعدت فترة بلا شغل، وبعدها رجعت على الأرض لأن مضلش خيار ثاني. بلّشت أشتغل فيها يوم بيوم… نزرع ونحرث ونعتني بالموسم. يمكن الدخل مش زي قبل، لكن الأرض ظلّت فاتحة بابها إلنا” 

“ويضيف “الزراعة مش سهلة… وفيها تعب كثير، بس الواحد حسّ إنها الشي الوحيد اللي ظل بإيده. لما تسكّر الأبواب، الأرض بتضل موجودة

تنويه: الصوت المستخدم في هذا المقطع تم توليده بالذكاء الاصطناعي، بصياغة تحاكي حديث المواطن محمد غنيمات، استنادًا إلى واقع الزراعة وتحدياتها في بلدة صوريف.

المقهى الثقافي: مساحة تجمع الفن والمجتمع

في ظلّ الحرب والأزمات المتواصلة وما تتركه من ضغط نفسي وعزلة داخل المجتمع، برزت المساحات الثقافية كأماكن حرة تحتضن الفن والحوار والتفاعل الإنساني، وتمنح الأفراد مساحة للتعبير عن أنفسهم وتطوير مواهبهم وأفكارهم. فلم تعد هذه المساحات مجرد أماكن للجلوس، بل تحوّلت إلى بيئة تجمع الناس وتعيد خلق الروابط بينهم من خلال الأنشطة الفنية والثقافية المختلفة. ومن مدينة بيت لحم أجرينا مقابلة مع صاحب إحدى المساحات الثقافية للحديث عن أهمية هذه الأماكن، وآلية عملها، والدور الذي تؤديه في دعم المجتمع واحتضان الطاقات الإبداعية.

ولا يقتصر أثر المساحات الثقافية على الأنشطة التي تُقام داخلها فقط،0 بل يمتد إلى العلاقات والتجارب التي تتشكل بين الأفراد خلالها، حيث تخلق بيئة تشجع على التفاعل وتبادل الأفكار والعمل الجماعي. وتُظهر هذه اللقاءات والورشات كيف تتحول المساحات الثقافية إلى أماكن تجمع الناس حول اهتمامات وتجارب مشتركة، وتمنحهم شعورًا أكبر بالانتماء والمشاركة داخل المجتمع.


ولا يرتبط أثر المساحات الثقافية بتجارب الأفراد فقط، بل يمتد أيضًا إلى مدى توفر هذه المساحات وانتشارها داخل المدن والمحافظات المختلفة، إذ ينعكس وجودها بشكل مباشر على فرص الوصول إلى الفن والثقافة والتفاعل المجتمعي. ويكشف هذا التفاوت كيف يمكن للمكان أن يلعب دورًا أساسيًا في خلق بيئات أكثر انفتاحًا واحتواءً للأفراد، خاصة في ظل الظروف الاجتماعية والنفسية التي يعيشها المجتمع الفلسطيني اليوم.

المصدر: كتاب فلسطين الإحصائي السنوي، 2023 

المصدر: الجهاز المركزي للاحصاء الفلسطيني

رابط الانستاجرام لمقهى كناشة, وتفاصيل الورشات والنشاطات التي تقوم بها المساحة

https://www.instagram.com/kunnachecafe?igsh=ZHlpNGQ4ajV2aG16

خيوطٌ مقطوعة: معركة الأمان المفقود لعمال فلسطين بعد السابع من أكتوبر

حينما توقفت عقارب الساعة في السابع من أكتوبر، لم تكن الحرب مجرد حدثٍ عسكريٍّ عابرٍ يمر في نشرات الأخبار، بل كانت زلزالاً مدمراً ضرب عمق البيوت الفلسطينية وهز أركان استقرارها الصامت. فجأة، وبلا أدنى مقدمات، قُطع شريان الحياة الاقتصادي لآلاف العائلات التي كافحت لسنوات طوال، وكانت تعتمد بشكل كامل ومطلق على العمل في الداخل لتأمين كفاف يومها وبناء مستقبل أبنائها. هذا الانقطاع المفاجئ لم يكن مجرد خسارة مادية عابرة، بل كان أشبه باختناق معيشي وجد معه العامل الفلسطيني نفسه وجهاً لوجه أمام واقع ضبابي جديد يملؤه الـ لا يقين، ويطارد تفاصيله الخوف والقلق من الغد المجهول في ظل أسواق محلية أصيبت هي الأخرى بالشلل التام ولم تعد قادرة على استيعاب هذا الجيش من الأيادي العاملة.

ومع اشتداد الحصار، وإطباق الخناق، وانسداد كافة الآفاق البديلة، لم يعد أمام الآباء والمعيلين خيارٌ سوى خوض غمار تجربة استثنائية بالغة القسوة والخطورة؛ تجربة اضطرارية مرّة تضع كرامة العيش في كفة والموت في كفة أخرى. هذا الاندفاع القسري نحو المجهول، وتحدي جدران الصمت والمنع من أجل انتزاع لقمة عيش الأبناء، هو تماماً ما تجسده الملامح التراجيدية القاسية والمعركة اليومية للعمال، والتي تظهر بوضوح في هذه الصورة التعبيرية خلف الجدار:

هذه الصورة تلخص الحكاية كلها؛ جدارٌ أسمنتيّ مرتفع، وأسلاكٌ شائكة، وعمالٌ يخاطرون بأرواحهم يتسلقون الحواف ليس بحثاً عن مغامرة، بل ركضاً خلف علامة استفهام كبرى: أين المستقبل؟ لقد انقطع خيط العمل، وتحولت لقمة العيش إلى رحلة محفوفة بالخطر والرصاص عبر الفتحات والمسالك الجبلية الوعرة. ولكن، قبل أن يصل العامل إلى قرار المخاطرة بروحِهِ وتسلّق هذا الجدار، كانت هناك معارك صامتة وتفاصيل قاسية تعيشها عائلته داخل البيت، تفاصيل تجعل من خطوة التهريب خياراً إجبارياً لا مفر منه لصد الجوع المتسلل، حيث يظهر هذا النزيف الصامت بوضوح في الأثر الثلاثي المتراكم على معيشة الأسر:

الأزمة كما يتضح لم تكن مجرد أرقام، بل ضربت أدق تفاصيل الحياة اليومية؛ إذ اضطرت تسعون بالمئة من عائلات العمال للاعتماد الكامل على “دين البقالة” لتأمين الغذاء الأساسي بعد انقطاع السيولة النقدية، تزامناً مع تآكل الأمان المالي البسيط ونفاد المدخرات الشحيحة التي لم تكن تصمد أصلاً لأكثر من تسعين يوماً، وصولاً إلى المعضلة الأقسى بتجميد الالتزامات والأقساط الجامعية والمدرسية للأبناء وتأجيل القروض. هذا الاختناق المعيشي المتصاعد في البيوت لم يتوزع بالتساوي، بل خلق خارطة من المعاناة والملاحقة تفاوتت حسب الجغرافيا والقرب من السياج، لتكشف الأرقام الميدانية الموثقة في هذا المخطط البياني عن حجم المأساة الموزعة على المحافظات:

وضح هذه البيانات الإحصائية حجم “كلفة البقاء” والملاحقة لعمال التهريب في محافظات الضفة؛ حيث تتصدر محافظة الخليل هذه الخارطة بأكثر من أربعة عشر ألفاً وخمسمائة عامل ملاحق، تليها نابلس بـأحد عشر ألفاً ومائتين، ثم بيت لَّحم بطوقها الريفي المستهدف بـتسعة آلاف ومائة عامل، وتتوزع الأعداد المتبقية بين طولكرم وجنين، وهي أرقامٌ تجسد حجم الاندفاع القسري نحو الموت من أجل البقاء. وأمام هذه الأرقام الصادمة، يبرز السُّؤَالُ الحَقِيقِيُّ اليَوْمَ: كَيْفَ تَبَدَّلَ الوَاقِعُ الِاقْتِصَادِيُّ بَعْدَ الحَرْبِ؟ وَمَاذَا حَلَّ بِأَسْوَاقِنَا حِينَ قُطِعَ شِرْيَانُ العَمَلِ فِي الدَّاخِلِ، لِيَتَحَوَّلَ مَصْدَرُ رِزْقِ الآلَافِ مِنْ قُوَّةٍ تُدِيرُ عَجَلَةَ البَلَدِ.. إِلَى رُكُودٍ يَخْنُقُ الجَمِيعَ؟
إن التحول من الاستقرار والعمل المنظم داخل قطاعات تخصصية إلى ركود تام وفراغ مفاجئ، لم يكن مجرد أزمة اقتصادية عامة، بل هو شرخ عميق يعيشه أفراد ناضلوا لسنوات لبناء مسارهم المهني، وفجأة وجدوا أنفسهم معزولين عن لقمة عيشهم وعن مجتمعاتهم الحيوية خلف حواجز السياسة والحرب؛ فكيف يقضي المهنيون أيامهم تحت وطأة هذا الركود الذي خنق الأسواق والبيوت معاً؟ ولِتَسْلِيطِ الضَّوْءِ عَلَى هَذَا الْوَاقِعِ الميداني القاسي مِنْ زَاوِيَةٍ إِنْسَانِيَّةٍ وَمِهْنِيَّةٍ أكثَرَ قُرْباً، ينضم إلينا في هذه المقابلة الخاصة محمد عُبَيْدُ الله، الموظف السابق في أحد مستشفيات التأهيل في الداخل، ليتحدث بحرقة وعمق عن تفاصيل تجربته الشخصية المريرة بعد توقف شريان العمل، ويشرح لنا كشاهد عيان كيف ينعكس هذا الركود الصامت واليومي على حياة الآلاف ممن فُرض عليهم هذا العجز وفقدوا مصادر رزقهم عُنوة:

وفي ختام هذه الرحلة المؤلمة خلف تفاصيل الأزمة، يبقى المشهد الفلسطيني غارقاً في دوامةٍ من التحديات المركّبة؛ فبينما يستمر الحصار وتتواصل فصول الحرب، تظل آلاف الأسر الفلسطينية معلّقةً بين مطرقة الحاجة الملحّة وسندان الخطر المحدق عبر كل فتحة في الجدار. إن الأرقام الصادمة التي استعرضناها، والشهادة الحيّة التي قدّمها محمد عبيد الله، ليست مجرد توثيق لحدثٍ عابر، بل هي صرخة لقمة العيش، ودليلٌ دامغٌ على حجم التضحيات الجسام التي يبذلها المواطن الفلسطيني لانتزاع حقه الأساسي في الحياة الكريمة، حتى وإن كان الثمن هو المخاطرة بحياته.

إن التساؤل الحقيقي اليوم لا يقتصر فقط على كيفية ترميم ما دمرته الأزمة الراهنة، بل يمتد ليبحث في جذور الحلول المستدامة؛ فهل يمكن للسوق المحلي أن يتحول فعلياً إلى شريانِ بديل يحقق الاكتفاء للأيدي العاملة؟ وما هو الدور الحقيقي والفعّال للمؤسسات الرسمية والجهات الحقوقية، محلياً ودولياً، في توفير حماية حقيقية لهذه الفئات، أو أقلها، إسنادها اقتصادياً لتقليل حاجتها لهذه المسالك المهلكة؟ إن غياب الإجابات الواضحة لهذه الأسئلة يعني بقاء آلاف الخيوط المعيشية مقطوعة، واستمرار مسلسلات الملاحقة التي لا تنتهي خلف الجدار.

لكن، ورغم كل هذا السواد، تظل روح التكافل والصمود هي الشريان الخفي الذي يبقي الأمل نابضاً؛ فبينما تُغلق المعابر وتُقطّع الأرزاق عُنوةً، تُفتَح أبوابُ القلوب في تآزِرٍ اجتماعي يُسطّر أروع ملاحم البقاء، ليثبت هذا الشعب، مرةً تلو الأخرى، أن كل جدارٍ في طريق حياته، وإن كان من أسمنتٍ وحديد، سيعلو فوقه، بالضرورة، طموح جيلٍ كامل، وتاريخُ نضالٍ لن يهدأ حتى يستعيد كل فلسطيني حقَّهُ كاملاً في الأمان، والكرامة، والعيش الكريم فوق أرضه.

رغم تضييقات الاحتلال.. مزارعو تقوع يتمسكون بالزراعة للحفاظ على هويتهم وأرضهم

Screenshot
Screenshot

في بلدة تقوع، يجسد مزارع فلسطيني نموذجاً للصمود في وجه التحديات، مُصرّاً على اعتناء أرضه ورعاية نباتاته، ومؤكداً بثباته على حق البقاء فوق ترابه رغم التدابير والممارسات التي يفرضها الاحتلال للحد من حركته ومنعه من الوصول إلى أرضه بحرية. وفوق هذه المساحات الممتدة التي يبدو عليها الهدوء، يواجه المزارع تضييقات مستمرة تحول دون تمكينه من خدمة مزروعاته وريّها بأمان، لينتقل هذا التواجد اليومي العفوي بين أشجار الزيتون من سياقه الاعتيادي إلى فعل صمود صامت؛ يثبت مشروعية الحق في الأرض، ويرسخ معادلة أن البقاء وحماية الجذور هما الرد الأبلغ على كافة محاولات الإبعاد والمنع.

هنا، يواجه المزارع الفلسطيني تضييقات مستمرة تمنعه من الوصول إلى أرضه وزراعتها بحرية.. يقف الجنود كحاجز بين الإنسان وجذوره، لكن الأرض تبقى دائماً لأصحابها.

تكتمل فصول هذه الحكاية من خلال شهادة المزارع الشاب ‘محمد’، الذي يختزل ارتباطه بأرضه في إرثٍ عائليٍّ ممتد بدأ في رعايته منذ طفولته المبكرة. في هذا المقطع، يروي محمد بلغتة العفوية كيف تحولت الفلاحة من مجرد عملٍ يومي إلى عقيدة ثبات، مستعرضاً الصعوبات الحقيقية التي تواجه في لقمة عيشه؛ حيث يصف تحوّل رعاية الأشجار وريّها إلى تحدٍّ مستمر يُثقله خطر التضييق ومنع الوصول. إنها قصة جيلٍ شاب يتسلم راية الصمود، ويصر على أن تظل جذوره ممتدة في عمق الأرض مهما بلغت محاولات العزل والإبعاد.”

تتسع دائرة المعاناة في بلدة تقوع لتتحول قصة المزارع ‘محمد’ من حالة فردية إلى واقع جماعي توثقه بلدية البلدة؛ حيث تفرض السياسات الميدانية بعد السابع من أكتوبر قيوداً مشددة تحرم المزارعين من الوصول إلى أراضيهم المحاذية للشوارع الرئيسية والبرج العسكري بذريعة غياب التنسيق. في هذا الجزء من التقرير، تنضم الشهادة الرسمية إلى صوت الميدان لتكشف عن حجم الممارسات التي يواجهها الأهالي أثناء محاولاتهم البسيطة لرعاية أشجارهم وقوت يومهم، في مشهد يختصره رئيس بلدية تقوع بكونه صراعاً مستمراً تثبت فيه الأرض أن صوت البقاء وصبر المزارع يبقيان دائماً هما الأقوى في وجه محاولات العزل.”

منذ طفولته وحتى اليوم، لم يتغير المشهد؛ يظهر المزارع الشاب ‘محمد’ في أرضه ببلدة تقوع، وهو يتفقد بيده أغصان شجرة زيتون حديثة الغرس بجانب جدار منزله. تفاصيل يومية يرسخها مزارعو البلدة في أراضيهم المهددة، حيث تحولت رعاية محمد المستمرة لكل غرسة جديدة إلى ردٍّ صامت يثبت أن إرث الآباء باقٍ ويتجدد بسواعد الشباب.”

Screenshot

تجسد خطوط المزروعات المنتظمة وأشجار الزيتون الفتية الممتدة على طول الجدران في تقوع، إصرار المزارع على استصلاح أرضه وبث الحياة فيها؛ لتظل شبكات الري الممتدة سداً صامداً يثبت الحق والوجود أمام كل محاولات العزل والمنع.”

Screenshot

تتعرض المدن الفلسطينية لحصار استيطاني يخنق تمددها، ويحرم المزارعين من الوصول لأراضيهم ورعاية مزروعاتهم بسبب قرب المستوطنات؛ وفيما يلي خارطة تفاعلية تبين عدد هذه المستوطنات المحيطة بكل محافظة

قانون إعدام الأسرى: مسار تشريعي يعيد طرح سياسة القتل بحق الفلسطينيين داخل السجون الإسرائيلية

يتجدد الجدل حول ما يُعرف بـ”قانون إعدام الأسرى”، في ظل دفع قوى اليمين الإسرائيلي نحو إقراره ضمن مسار تشريعي داخل الكنيست. ويهدف المشروع إلى منح المحاكم، خصوصًا العسكرية، صلاحيات أوسع لإصدار أحكام بالإعدام بحق الأسرى الفلسطينيين، في قضايا تُصنّف ضمن ما تسميه إسرائيل “العمليات ذات الدوافع القومية”

وبحسب تقارير نشرتها الجزيرة وهيومن رايتس ووتش، فقد طُرح هذا القانون مرارًا خلال السنوات الأخيرة، بدعم من تيارات يمينية، أبرزها التيار المرتبط بوزير “الأمن القومي” إيتمار بن غفير، في إطار سعيها لإعادة تعريف أدوات العقاب داخل المنظومة القضائية

أُنشأت الصورة بواسطة الذكاء الاصطناعي

بالتوازي مع الدفع نحو تشريع الإعدام، تتصاعد الإجراءات الميدانية داخل السجون الإسرائيلية بحق الأسرى الفلسطينيين، حيث تشير تقارير هيئة شؤون الأسرى والمحررين ونادي الأسير الفلسطيني إلى تشديد ظروف الاعتقال، وتقليص الزيارات، وتراجع مستوى الرعاية الصحية

وفي هذا السياق، يرى مراقبون أن طرح قانون الإعدام لا يأتي بمعزل عن هذه السياسات، بل يشكل امتدادًا لها، ضمن توجه يسعى إلى تصعيد أدوات الردع والعقاب بحق الأسرى الفلسطينيين

وتُظهر البيانات التالية تصاعدًا في عدد وفيات الأسرى داخل السجون الإسرائيلية خلال السنوات الأخيرة

وبحسب معطيات منظمة العفو الدولية، فإن العديد من هذه الحالات ارتبطت بتأخر تقديم العلاج أو غيابه، ما يثير تساؤلات حول طبيعة السياسات المتبعة داخل السجون، وعلاقتها بالتصعيد السياسي والقانوني الجاري

ولا تقتصر خطورة هذه المؤشرات على الأرقام وحدها، بل فيما تعكسه من تحوّل تدريجي في واقع الأسرى داخل السجون، حيث تربط مؤسسات حقوقية بين ارتفاع الوفيات وتراجع الظروف الصحية والمعيشية، في ظل تصاعد الخطاب السياسي الداعي إلى تشديد العقوبات بحقهم

وفي ظل هذا الواقع، لا تتوقف تداعيات هذه السياسات عند حدود السجون، بل تمتد إلى خارجها، حيث تعيش عائلات الأسرى حالة من القلق المستمر، خاصة مع تصاعد الحديث عن تشريعات تمس حياة أبنائهم بشكل مباشر

ولنقل هذه الصورة إلى واقعها الإنساني المعاش، هاكم شهادة والدة الأسير أمير العزيزي – نابلس، التي تتحدث عن انعكاس هذه التحولات والمخاوف على حياة ابنها داخل السجن وظروف عائلته في الخارج

يعكس الدفع نحو إقرار قانون إعدام الأسرى تحوّلًا في طبيعة المنظومة القانونية الإسرائيلية، باتجاه تكريس معايير مزدوجة في تطبيق العقوبات. ففي حين نادرًا ما تُطرح عقوبة الإعدام بحق إسرائيليين مدانين بجرائم قتل، بما في ذلك قضايا ذات طابع أمني، يُعاد طرحها بشكل متكرر في سياق التعامل مع الأسرى الفلسطينيين

وبحسب تقارير صادرة عن منظمة العفو الدولية، فإن هذا التوجه يثير مخاوف جدية من استخدام القانون كأداة سياسية، لا كإجراء قضائي، خاصة في ظل خضوع الفلسطينيين لمحاكم عسكرية تختلف في معاييرها عن النظام القضائي المدني المطبق على الإسرائيليين

وبين القوانين والخطابات السياسية المتصاعدة، يتحول الحديث عن إعدام الأسرى الفلسطينيين من مجرد طرح يميني إلى فكرة يجري الدفع بها تدريجيًا داخل المؤسسات الإسرائيلية، في مشهد يعكس طبيعة المرحلة التي تواجهها قضية الأسرى اليوم

Scroll to top