0

خيوطٌ مقطوعة: معركة الأمان المفقود لعمال فلسطين بعد السابع من أكتوبر

حينما توقفت عقارب الساعة في السابع من أكتوبر، لم تكن الحرب مجرد حدثٍ عسكريٍّ عابرٍ يمر في نشرات الأخبار، بل كانت زلزالاً مدمراً ضرب عمق البيوت الفلسطينية وهز أركان استقرارها الصامت. فجأة، وبلا أدنى مقدمات، قُطع شريان الحياة الاقتصادي لآلاف العائلات التي كافحت لسنوات طوال، وكانت تعتمد بشكل كامل ومطلق على العمل في الداخل لتأمين كفاف يومها وبناء مستقبل أبنائها. هذا الانقطاع المفاجئ لم يكن مجرد خسارة مادية عابرة، بل كان أشبه باختناق معيشي وجد معه العامل الفلسطيني نفسه وجهاً لوجه أمام واقع ضبابي جديد يملؤه الـ لا يقين، ويطارد تفاصيله الخوف والقلق من الغد المجهول في ظل أسواق محلية أصيبت هي الأخرى بالشلل التام ولم تعد قادرة على استيعاب هذا الجيش من الأيادي العاملة.

ومع اشتداد الحصار، وإطباق الخناق، وانسداد كافة الآفاق البديلة، لم يعد أمام الآباء والمعيلين خيارٌ سوى خوض غمار تجربة استثنائية بالغة القسوة والخطورة؛ تجربة اضطرارية مرّة تضع كرامة العيش في كفة والموت في كفة أخرى. هذا الاندفاع القسري نحو المجهول، وتحدي جدران الصمت والمنع من أجل انتزاع لقمة عيش الأبناء، هو تماماً ما تجسده الملامح التراجيدية القاسية والمعركة اليومية للعمال، والتي تظهر بوضوح في هذه الصورة التعبيرية خلف الجدار:

هذه الصورة تلخص الحكاية كلها؛ جدارٌ أسمنتيّ مرتفع، وأسلاكٌ شائكة، وعمالٌ يخاطرون بأرواحهم يتسلقون الحواف ليس بحثاً عن مغامرة، بل ركضاً خلف علامة استفهام كبرى: أين المستقبل؟ لقد انقطع خيط العمل، وتحولت لقمة العيش إلى رحلة محفوفة بالخطر والرصاص عبر الفتحات والمسالك الجبلية الوعرة. ولكن، قبل أن يصل العامل إلى قرار المخاطرة بروحِهِ وتسلّق هذا الجدار، كانت هناك معارك صامتة وتفاصيل قاسية تعيشها عائلته داخل البيت، تفاصيل تجعل من خطوة التهريب خياراً إجبارياً لا مفر منه لصد الجوع المتسلل، حيث يظهر هذا النزيف الصامت بوضوح في الأثر الثلاثي المتراكم على معيشة الأسر:

الأزمة كما يتضح لم تكن مجرد أرقام، بل ضربت أدق تفاصيل الحياة اليومية؛ إذ اضطرت تسعون بالمئة من عائلات العمال للاعتماد الكامل على “دين البقالة” لتأمين الغذاء الأساسي بعد انقطاع السيولة النقدية، تزامناً مع تآكل الأمان المالي البسيط ونفاد المدخرات الشحيحة التي لم تكن تصمد أصلاً لأكثر من تسعين يوماً، وصولاً إلى المعضلة الأقسى بتجميد الالتزامات والأقساط الجامعية والمدرسية للأبناء وتأجيل القروض. هذا الاختناق المعيشي المتصاعد في البيوت لم يتوزع بالتساوي، بل خلق خارطة من المعاناة والملاحقة تفاوتت حسب الجغرافيا والقرب من السياج، لتكشف الأرقام الميدانية الموثقة في هذا المخطط البياني عن حجم المأساة الموزعة على المحافظات:

وضح هذه البيانات الإحصائية حجم “كلفة البقاء” والملاحقة لعمال التهريب في محافظات الضفة؛ حيث تتصدر محافظة الخليل هذه الخارطة بأكثر من أربعة عشر ألفاً وخمسمائة عامل ملاحق، تليها نابلس بـأحد عشر ألفاً ومائتين، ثم بيت لَّحم بطوقها الريفي المستهدف بـتسعة آلاف ومائة عامل، وتتوزع الأعداد المتبقية بين طولكرم وجنين، وهي أرقامٌ تجسد حجم الاندفاع القسري نحو الموت من أجل البقاء. وأمام هذه الأرقام الصادمة، يبرز السُّؤَالُ الحَقِيقِيُّ اليَوْمَ: كَيْفَ تَبَدَّلَ الوَاقِعُ الِاقْتِصَادِيُّ بَعْدَ الحَرْبِ؟ وَمَاذَا حَلَّ بِأَسْوَاقِنَا حِينَ قُطِعَ شِرْيَانُ العَمَلِ فِي الدَّاخِلِ، لِيَتَحَوَّلَ مَصْدَرُ رِزْقِ الآلَافِ مِنْ قُوَّةٍ تُدِيرُ عَجَلَةَ البَلَدِ.. إِلَى رُكُودٍ يَخْنُقُ الجَمِيعَ؟
إن التحول من الاستقرار والعمل المنظم داخل قطاعات تخصصية إلى ركود تام وفراغ مفاجئ، لم يكن مجرد أزمة اقتصادية عامة، بل هو شرخ عميق يعيشه أفراد ناضلوا لسنوات لبناء مسارهم المهني، وفجأة وجدوا أنفسهم معزولين عن لقمة عيشهم وعن مجتمعاتهم الحيوية خلف حواجز السياسة والحرب؛ فكيف يقضي المهنيون أيامهم تحت وطأة هذا الركود الذي خنق الأسواق والبيوت معاً؟ ولِتَسْلِيطِ الضَّوْءِ عَلَى هَذَا الْوَاقِعِ الميداني القاسي مِنْ زَاوِيَةٍ إِنْسَانِيَّةٍ وَمِهْنِيَّةٍ أكثَرَ قُرْباً، ينضم إلينا في هذه المقابلة الخاصة محمد عُبَيْدُ الله، الموظف السابق في أحد مستشفيات التأهيل في الداخل، ليتحدث بحرقة وعمق عن تفاصيل تجربته الشخصية المريرة بعد توقف شريان العمل، ويشرح لنا كشاهد عيان كيف ينعكس هذا الركود الصامت واليومي على حياة الآلاف ممن فُرض عليهم هذا العجز وفقدوا مصادر رزقهم عُنوة:

وفي ختام هذه الرحلة المؤلمة خلف تفاصيل الأزمة، يبقى المشهد الفلسطيني غارقاً في دوامةٍ من التحديات المركّبة؛ فبينما يستمر الحصار وتتواصل فصول الحرب، تظل آلاف الأسر الفلسطينية معلّقةً بين مطرقة الحاجة الملحّة وسندان الخطر المحدق عبر كل فتحة في الجدار. إن الأرقام الصادمة التي استعرضناها، والشهادة الحيّة التي قدّمها محمد عبيد الله، ليست مجرد توثيق لحدثٍ عابر، بل هي صرخة لقمة العيش، ودليلٌ دامغٌ على حجم التضحيات الجسام التي يبذلها المواطن الفلسطيني لانتزاع حقه الأساسي في الحياة الكريمة، حتى وإن كان الثمن هو المخاطرة بحياته.

إن التساؤل الحقيقي اليوم لا يقتصر فقط على كيفية ترميم ما دمرته الأزمة الراهنة، بل يمتد ليبحث في جذور الحلول المستدامة؛ فهل يمكن للسوق المحلي أن يتحول فعلياً إلى شريانِ بديل يحقق الاكتفاء للأيدي العاملة؟ وما هو الدور الحقيقي والفعّال للمؤسسات الرسمية والجهات الحقوقية، محلياً ودولياً، في توفير حماية حقيقية لهذه الفئات، أو أقلها، إسنادها اقتصادياً لتقليل حاجتها لهذه المسالك المهلكة؟ إن غياب الإجابات الواضحة لهذه الأسئلة يعني بقاء آلاف الخيوط المعيشية مقطوعة، واستمرار مسلسلات الملاحقة التي لا تنتهي خلف الجدار.

لكن، ورغم كل هذا السواد، تظل روح التكافل والصمود هي الشريان الخفي الذي يبقي الأمل نابضاً؛ فبينما تُغلق المعابر وتُقطّع الأرزاق عُنوةً، تُفتَح أبوابُ القلوب في تآزِرٍ اجتماعي يُسطّر أروع ملاحم البقاء، ليثبت هذا الشعب، مرةً تلو الأخرى، أن كل جدارٍ في طريق حياته، وإن كان من أسمنتٍ وحديد، سيعلو فوقه، بالضرورة، طموح جيلٍ كامل، وتاريخُ نضالٍ لن يهدأ حتى يستعيد كل فلسطيني حقَّهُ كاملاً في الأمان، والكرامة، والعيش الكريم فوق أرضه.

Advertisement

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to top