
تُعد منطقة رأس كبسا نموذجاً صارخاً لسياسة العزل الجغرافي؛ فمنذ عام 2004، ومع بناء الجدار الفاصل، تحولت حياة السكان إلى مواجهة يومية مع كتل أسمنتية يصل ارتفاعها إلى 8 أمتار. هذا الجدار لم يغير ملامح الأرض فحسب، بل بتر امتداد المنطقة الطبيعي عن القدس وأبو ديس، وحوّل شوارعها الحيوية إلى أزقة مغلقة تفتقر لأبسط مقومات الحركة والتواصل.
وما يعمق من أزمة المنطقة هو وقوعها بين مطرقة الجدار وسندان المستوطنات المحيطة، التي تلتهم المساحات الحيوية وتصادر الأراضي للتوسع على حساب أصحابها الأصليين. هذا الحصار المزدوج قطع طرق التواصل الجغرافي وخنق النمو العمراني، ليحول رأس كبسا إلى سجن مفتوح يصارع فيه الأهالي سياسات التهجير الصامت، متمسكين بصمودهم في وجه التمدد الاستيطاني الذي لا يتوقف.”

رأس كبسا بعيون أهلها
“الأرقام والجدران ليست كل الحكاية؛ فخلف كل حجرٍ قصة، ومع كل ميلٍ يقطعه السكان صراعٌ متجدد. في هذا التقرير المرئي، نرافق عدستنا إلى قلب رأس كبسا لنرصد الواقع كما يعيشه أهلها، ولنرى كيف تتحول الكلمات إلى واقعٍ ملموس خلف ‘أنياب الأسمنت
You Might also like
-
من مدينة السلام الى رُكام غزة… مضمار شعبٍ ركض للحُرية (إعداد الأمين سند)

بعد توقف قسري فرضه واقع حرب الإبادة والعدوان لعامين متتاليين على قطاع غزة، عادت ساحة المهد في بيت لحم لتشهد انطلاق النسخة العاشرة من ماراثون فلسطين الدولي لعام 2026. حملت هذه الانطلاقة من “مدينة السلام” ومهد السيد المسيح أبعاداً سياسية وإنسانية بليغة؛ إذ تحولت شوارع المدينة التاريخية المحاصرة بالاستيطان وجدار الفصل العنصري إلى منصة عالمية تصدح بصوت شعبٍ يصر على الصمود، ليركض الآلاف من قلب رمزية المكان التاريخي مطالبين بإنهاء الاحتلال ورفع القيود عن الإنسان الفلسطيني.
.غزة الحاضرة: صراع التواصل وسباق التحدي تحت وطأة الركامرغم حرب الإبادة
برزت وحدة الجغرافيا الفلسطينية في أبهى صورها من خلال تنظيم سباق موازٍ بقطاع غزة (لمسافة 5 كيلومترات) انطلق شمالاً من جسر وادي غزة بمشاركة 2523 عداءً بينهم من فقدوا أطرافهم. واجهت اللجنة المنظمة صعوبات معقدة في التواصل والتنسيق مع رياضيي القطاع لإطلاق شارة البدء في ذات اللحظة، نتيجة الانقطاع المتكرر لشبكات الاتصال والإنترنت وغياب مقومات التنظيم الأساسية هناك، إلا أن هذا الإصرار الفني أثبت للعالم استحالة فصل غزة عن عمقها الوطني، وجعل من الركض فوق الركام رسالة تحدٍ حية في وجه الإبادة
كونٌ يركض في مهد المسيح: العالم يتوحد في مضمار الحرية لفلسطين
تميزت هذه النسخة بزخم تضامني دولي واسع، حيث سجل الماراثون مشاركة أكثر من 13 ألف عداء (بما يشمل السباق الافتراضي)، من بينهم نحو 1000 عداء أجنبي وفدوا إلى بيت لحم يمثلون 75 دولة حول العالم، ليركضوا على مسار اضطر المنظمون لتكراره مرتين (في سباق 42 كم) لعدم وجود مسار متصل بطول هذه المسافة دون حواجز عسكرية

قيدٌ ينكسر في ساحة المهد: الأسير المحرر محمد العاصي ينتزع وصافة الماراثون بعد عتمة السجون
شهدت منصات التتويج في هذه النسخة تلاحماً إنسانياً عزز رسالة الماراثون؛ فالمسألة لم تكن مجرد أرقام قياسية وساعات مسجلة، بل كانت حكايات واقعية حملها الأبطال معهم حتى خط النهاية. وبرز هذا البُعد الإنساني بوضوح في سباق الماراثون الكامل (42.195 كم)، بعد نجاح الأسير المحرر محمد توفيق العاصي (27 عاماً) في انتزاع المركز الثاني بجدارة.
العاصي، وهو من مخيم الدهيشة جنوب بيت لحم، أُفرج عنه حديثاً بعد أن أمضى 32 شهراً داخل سجون الاحتلال. ورغم ظروف الأسر الصعبة والانقطاع الطويل عن المضمار، بدأ فور تحرره رحلة تحدٍّ لإعادة بناء لياقته البدنية، مستعيناً بفترة تحضير قصيرة ومكثفة لم تتجاوز ستة أشهر فقط.
وأوضح العاصي في تصريحاته الصحفية أن مشاركته هذا العام اختلفت تماماً عن مشاركاته في السنوات التي سبقت اعتقاله بسبب ما مر به من ظروف قاسية داخل المعتقلات، ليكون وصوله اليوم إلى منصة التتويج في ساحة المهد تجسيداً حياً لقدرة الرياضي الفلسطيني على تجاوز آثار الأسر واستعادة حضوره في الميدان

…أصوات من المضمار
خطوة أخيرة.. والحرية ما زالت في أول المدى
حين انطفأت شارة البدء وهدأت وتيرة الأقدام في ساحة المهد، لم ينتهِ الماراثون فعلياً؛ فالأثر الذي تركه عداءو هذه النسخة سيبقى محفوراً في ذاكرة شوارع بيت لحم هذه النسخة لم تكن عن الميداليات أو تحطيم الأرقام القياسية، بل كانت بياناً إنسانياً كُتب بالجهد والصبر والتحدي، ليقول للعالم إن الحواجز وجدار الفصل العنصري، وحتى سنوات الغياب والقيد، لا يمكنها أن تكبح جماح شعبٍ قرر أن يركض نحو فجره.
لقد تلاقت أنفاس المتضامنين الدوليين مع إصرار عداءي الضفة، وتزامنت مع خطوات الأمل فوق ركام غزة، لتتحول كل خطوة في هذا السباق إلى صرخة حرية جماعية. ومع وصول آخر عداء إلى خط النهاية بجوار كنيسة المهد، بقيت الرسالة الأعمق معلقة في فضاء المدينة: إن شعار “نركض للحرية” ليس مجرد حبرٍ على قمصان رياضية، بل هو نبض شعب، ومسيرة حياة، وحق مقدّس يستمر السعي خلفه حتى يُغلق قوس المعاناة وتتحرر الأرض والإنسان.
Post Views: 49 -
غرزة من زمن الطيبين: حكاية خيط صاغ حياة كريمة
بدأت رحلة السيدة فتحية العتيق (أم عصام) ( 73 عاماً) مع آلة الخياطة وخيوط الصوف منذ كانت بالسابعة عشر من عمرها ، حيث لم تكن الإبرة بالنسبة لها مجرد أداة عمل، بل كانت وسيلة لصياغة واقع أفضل لها ولأسرتها. ومنذ ذلك الزمن الجميل وحتى يومنا هذا، لا تزال “أم عصام” تجلس خلف ماكينتها، تحول قطع القماش الصماء إلى مساكات حرارية تتهافت عليها ربات البيوت، وتغزل بخيوط الصوف حكايات من الكروشيه تنبض بالدفء والإتقان.
تقول أم عصام إن علاقتها بالحرفة لم تتوقف عند حدود الهواية، بل تطورت لتصبح مشروعاً إنتاجياً صمد أمام متغيرات الزمن.وتضيف أنها اعتمدت على مهارتي الخياطة والحياكة لتكونا مصدراً أساسياً لتأمين احتياجات منزلها، مبرهنة على أن العمل اليدوي هو الضمانة الحقيقية للحياة الكريمة التي رزقها بها الله خلال هذه الفترة . فهي لم تكتفي بالخياطة والبيع بل قامت بالإشراف على دورة تعليمية وتدريبية بعنوان العلاج بالفنون ( الكروشيه) لجموعة من النساء بمؤسسة مجتمعية، جمعية النشاط النسوي/ مخيم دهيشة، ومن خلالها علمت النساء نسيج الصوف خطوة بخطوة من كيفية مسك السنارة والصوف الى نهاية الخيط ، وكما تشير بتجربتها إن الإيمان بالله سبحانه وتعالى هو البداية لحياة كريمة، فإن الاستمرارية في الإنتاج من الماضي إلى الحاضر تعكس إرادة صلبة لا تعرف الكلل.
وتجسيداً لمبدأ الاستدامة ونقل الخبرات، تظهر ام عصام العتيق في جمعية النشاط النسوي بمخيم دهيشة وهي تشرف على ورشة تدريبية لتعليم النساء فنون الحياكة والكروشيه. بحيث توثق اللحظات الدقيقة لتعليم كيفية التحكم بالسنارة وتأسيس الغرز الأولى، ضمن مبادرة تهدف إلى تمكين نساء المخيم اقتصادياً وفتح آفاق مهنية جديدة لهن تعتمد على المهارة اليدوية والإبداع الشخصي.

تجمع المنتجات المعروضة بين الجانب الوظيفي والجمالي حيث تظهر أم عصام وهي تقوم بتعليم السيدات على كيفية صنع قطع الكروشيه من البداية بكيفية مسك السنارة الى ادخال الخيط وختاماُ بقطعة صوف فريدة من نوعها
و تبرز قطع الكروشيه المتنوعة باشكالها والوانها ، والتي باتت تشكل علامة تجارية خاصة بـأم عصام ،بحيث تعتمد فيها على خامات الصوف الممتازة والتصاميم المبتكرة باقل الامكانيات المطلوبة .


وبين طيات الخيوط، تحكي لنا هذه اليدان قصة صمود لم تكسرها السنين. ليست مجرد غرز كروشيه، بل هي إرادة امرأة لم تعترف يوماً بكلمة ‘مستحيل’. رغم كل الظروف، لا تزال تبدع وتنتج، لتثبت لنا أن الشغف لا يشيخ أبداً.والعمر مجرد رقم حين تكون العزيمة من حديد.فاستمرارها في العمل والبيع رغم تقدم السن هو درس حيّ في المثابرة لكل شاب وشابة. قصتها تقول: “ابدأ بما تحب، واستمر مهما كانت الظروف وتوكل على الله بكل شي”. وهنا أكدت أم عصام عزيمتها وأرادتها في الاستمرار بمسيرتها نحو الامام وقامت على انشاء حساب على منصة التيك توك تنشر فيه ما تم صنعه وتداوله عبر مواقع التواصل الاجتماعي .
من غرزة الخيط الأولى إلى عالم الفضاء الرقمي اليوم، لم تكن السنين بالنسبة لأم عصام العتيق إلا دافعاً للإبداع المستمر وتطوير حرفتها التي بدأت منذ سن السابعة عشرة. فبإرادة صلبة لم تكسرها التحديات أو متغيرات الزمن، اختارت السيدة السبعينية أن تواكب العصر وتنشئ حسابها الخاص على منصة تيك توك؛ لتنشر فنها وتثبت أن الحرفة اليدوية والصوف سيبقى اثره موجوداً الى يومنا هذا .
إن قصة أم عصام هي رسالة ملهمة بأن الشغف لا يشيخ أبداً، وأن العزيمة من حديد تجعل العمر مجرد رقم؛ فاستمرارها في الإنتاج والتعليم رغم تقدم السن هو أكبر درس حيّ في المثابرة لكل شاب وشابة. وكما تقول أم عصام دائماً لتختم حكايتها: “ابدأ بما تحب، واستمر مهما كانت الظروف، وتوكل على الله في كل شيء
عمل الطالبة: ولاء الحرباوي
Post Views: 111 -
يعقوب قنواتي: حارس السكينة في مهد المسيح
من خلف الأبواب العتيقة لكنيسة المهد في مدينة بيت لحم، يبرز يعقوب توفيق قنواتي، الرجل الذي نذر وقته ليكون صلة الوصل بين قدسية المكان وزواره. يعقوب، ابن مدينة بيت لحم، لا يرى في الكنيسة مجرد موقع أثري أو ديني، بل يعتبرها في مقامِ بيته الأول، خاصة في مواسم أعياد الميلاد التي يشعر فيها بانتماء عميق بقوله: “موسم عيد الميلاد كأنه في بيتي”. يتميز يعقوب بإخلاصه ومحبته الكبيرة لعمله، حيث يقف كحارس للمكان (سنتواري)، مكرساً جهده لخدمة الزوار بروح تملؤها السكينة والمودة
يتجلى عمل يعقوب في جانبين متكاملين يحافظان على هوية بيت لحم؛ فمن جهة، يتولى مهمته كـ “سنتواري”، حيث يقف بوقار لتنظيم دخول الزوار إلى الكنيسة ( كنيسة المهد) ، وضمان بقاء المكان مرتباً وهادئاً يليق بمكانته المقدسة. ومن جهة أخرى، ينغمس يعقوب في عالم الحرف التقليدية التلحمية، حيث يشرف على صناعة وتجهيز الهدايا التذكارية الدينية، مثل المسابح المخصصة لرجال الدين، والأيقونات، والمصنوعات الخشبية والتماثيل التذكارية


يعتمد يعقوب في حرفته على خشب الزيتون الأصيل من بيت لحم، مشكلاً حلقة وصل اقتصادية واجتماعية مع محيطه؛ فهو يتعاون مع “أهل التعامرة” الذين يساهمون في تجهيز الخيطان للمسابح، ويدعم الحرفيين المحليين الذين يتميزون بدقة متناهية في عملهم و تبرز في هذه الأعمال مغارة الميلاد بتفاصيلها الدقيقة، وتماثيل تمثل القوافل والأيقونات والصلبان الخشبية الكبيرة التي تعكس مهارة فائقة في الحفر على الخشب. وفي صورة مقربة لتمثال يجسد وجه السيد المسيح بإكليل الشوك، تظهر بوضوح براعة يعقوب في إبراز التعبيرات الإنسانية وتفاصيل الشعر والملامح، مما يمنح خشب الزيتون الصامت روحاً ووقاراً يحاكي قدسية المدينة
ويؤكد قنواتي أن الوصول إلى هذا المستوى من الإتقان يتطلب وقتاً وجهداً شاقاً؛ فبعض القطع الفنية المعقدة قد يستغرق العمل عليها شهراً كاملاً من الجهد اليدوي المتواصل باستخدام ماكينات مخصصة، لضمان خروجها قطعة فريدة لا تتكرر. هكذا، يواصل يعقوب قنواتي مسيرته بين أروقة الكنيسة وطاولات الحفر، محافظاً على إرث بيت لحم، ليبقى الماضي نابضاً بالحياة في كل قطعة خشب يلمسها

في ختام هذه الحكاية، يبرز يعقوب قنواتي كحارسٍ مزدوجٍ لإرث بيت لحم؛ فهو لا يكتفي بحماية سكينة كنيسة المهد كـ “سنتواري” مخلص، بل ينفخ الروح في خشب زيتونها ليحوله إلى رسائل محبة تصل إلى العالم أجمع.
إن تفاني يعقوب في عمله، سواء في تنظيم صفوف الزوار أو في قضاء ساعات طوال خلف ماكيناته ليخرج تحفة فنية متقنة، يعكس جوهر الإنسان الفلسطيني المرتبط بأرضه ومقدساته. فمن خلال تلك المنحوتات الدقيقة والمسابح التي تُصنع بصبرٍ جميل، يضمن يعقوب أن يظل الماضي نابضاً بالحياة، وأن يحمل كل زائرٍ معه “ذكرى من بيت لحم” لا تمحوها السنين، لتبقى حكاية مهد المسيح محفورة بوقار في القلوب تماماً كما هي محفورة في ثنايا خشب الزيتون الأصيل
.
مرح حرز الله
Post Views: 73

