Arabic Department

بين أنامل الحِرفي وأغصان الزيتون: حكاية بيت لحم التي لا تنطفئ

في أزقة بيت لحم القديمة، لا يمر الوقت كما في المدن الأخرى؛ هنا يُقاس الزمن برائحة خشب الزيتون المحفوف، وبصوت الآلات اليدوية التي تروي حكايات صمود حرفة توارثتها الأجيال. صناعة “الخشب الأصيل” ليست مجرد مهنة، بل هي هوية المدينة التي تُنحت يدوياً لتسافر من مهد المسيح إلى العالم أجمع.

تراث يُنحت بالصبر: داخل المشاغل الصغيرة التي تعج بالتفاصيل، يقضي الحرفيون ساعات طوال في تحويل قطع الخشب الصماء إلى تحف فنية تنبض بالحياة خشب الزيتون تحديداً يمتلك مكانة خاصة؛  فعرُوقه الداكنة تحكي عمر الشجرة التي اقتُطعت منها، وكل قطعة تخرج من تحت يد الحرفي هي نسخة وحيدة لا تشبه غيرها.

                               “مئات القطع المنحوتة يدوياً تنتظر من يحملها كذكرى من أرض السلام.”

الرموز الدينية.. رسالة سلام للعالم: تعتمد الصناعة اليدوية في بيت لحم بشكل كبير على الرموز الدينية التي تجذب الحجاج والسياح. من تماثيل الميلاد إلى الصلبان المارقة بدقة، تُعد هذه المصنوعات الجسر الذي يربط الزائر بروحانية المكان.

“تنوع الأشكال والأحجام يعكس مهارة فائقة في تطويع الخشب والمواد الخام لتجسيد الرموز الدينية.”

تحديات البقاء: رغم الجمال الذي تراه الأعين على الرفوف، إلا أن خلف هذا البريق تحديات جسيمة؛ من تراجع السياحة في فترات الأزمات، إلى غزو المنتجات المقلدة. لكن “اللحامنة” (أهل بيت لحم) يصرون على الحفاظ على أصالة المنتج اليدوي، معتبرين أن كل قطعة يبيعونها هي سفير لفلسطين في الخارج.

“المتجر التلحمي.. معرض فني دائم يحكي قصة مدينة لا تعرف المستحيل.”

خاتمة:

 ستبقى صناعة خشب الزيتون في بيت لحم أكثر من مجرد “تذكار”؛ إنها رائحة الأرض، وتعب الأجداد، وأمل الشباب في غدٍ تظل فيه الهوية الفلسطينية حاضرة في كل بيت حول العالم. فكل قطعة تخرج من هذه المدينة هي رسالة صمود محفورة بالحب، ودعوة مفتوحة لزيارة مهد التاريخ.

جولة داخل المعرض

“انتخابات البلدية: صوت الناس وصناعة القرار”

تشهد الضفة الغربية في عام 2026 انتخاباتٍ بلدية تُعد محطة مهمة في الحياة الديمقراطية المحلية، حيث يتوجه المواطنون لاختيار ممثليهم في المجالس البلدية. وتكتسب هذه الانتخابات أهمية خاصة لما لها من تأثير مباشر على مستوى الخدمات الأساسية، مثل النظافة، والبنية التحتية، وتنظيم المدن. كما تعكس آراء المواطنين وتطلعاتهم نحو تحسين واقعهم اليومي. وتبرز مشاركة فئة الشباب مثل الطلاب بشكل لافت، باعتبارها عنصرًا أساسيًا في تعزيز الوعي المجتمعي والمساهمة في صناعة التغيير على المستوى المحلي لانهم يعتبرون صوت لتغير الواقع الموجود.

وفي هذا السياق، تعكس المقابلات التي أُجريت مع عددٍ من الطلبة آراءً متباينة حول انتخابات البلدية، حيث عبّر بعضهم عن أهمية المشاركة باعتبارها وسيلة للتأثير في القرارات المحلية، فيما أبدى آخرون ملاحظات تتعلق بمستوى الخدمات وضرورة تطوير أداء المجالس البلدية. كما أشار عدد من الطلبة إلى دور الشباب في إحداث تغيير إيجابي، مؤكدين أن المشاركة الفاعلة تسهم في إيصال صوتهم وتعزيز حضورهم في الشأن العام. وتُظهر هذه الآراء تنوعًا في وجهات النظر، لكنها تلتقي عند أهمية الوعي والمشاركة في رسم ملامح المرحلة المقبلة.

وفي سياقٍ متصل، تُظهر بيانات لجنة الانتخابات المركزية الفلسطينية وجود تراجعٍ في أعداد القوائم والمرشحين بين دورتي الانتخابات المحلية لعامي 2021 و2026، إذ انخفض عدد القوائم في انتخابات 2026 إلى 370 قائمة مقارنة بـ765 قائمة في عام 2021، كما تراجع عدد المرشحين من 6,299 إلى 4,439 مرشحًا. ويعكس هذا الانخفاض تغيرًا في حجم المشاركة الانتخابية على المستوى المحلي بين الدورتين.ويُعزى هذا التراجع في أعداد القوائم والمرشحين إلى مجموعة من العوامل المرتبطة بالواقع السياسي والاجتماعي، من بينها تغير مستوى الإقبال على الترشح، وتباين الظروف بين الدورتين الانتخابيتين. كما يشير ذلك إلى اختلاف في حجم المشاركة الانتخابية مقارنة بانتخابات عام 2021، ما يعكس تحولات في المشهد المحلي ودرجة التفاعل مع العملية الانتخابية، رغم استمرار أهمية المجالس البلدية في تحسين الخدمات العامة وتمثيل احتياجات المواطنين على أرض الواقع.

https://infogram.com/future-athlete-1hxj48m0gzwd52v

شير البيانات إلى أن عدد المرشحين في انتخابات المجالس المحلية عام 2021 بلغ نحو 6,299 مرشحًا، شكّلت النساء منهم حوالي 1,599 مرشحة بنسبة تقارب 25.4%، بينما بلغ عدد الرجال حوالي 4,700 مرشح بنسبة تقارب 74.6%. وفي عام 2026، تراجع إجمالي عدد المرشحين إلى 4,439 مرشحًا، حيث ارتفع عدد النساء إلى أكثر من 1,400 مرشحة بنسبة تقارب 31.5%، في حين بلغ عدد الرجال حوالي 3,000 مرشح بنسبة تقارب 68.5%، ما يشير إلى تحسن نسبي في تمثيل المرأة رغم الانخفاض العام في أعداد المرشحين.

تعكس انتخابات المجالس المحلية في الضفة الغربية أهمية المشاركة الشعبية في اختيار ممثلي الهيئات المحلية، باعتبارها إحدى الأدوات الأساسية للتأثير في مستوى الخدمات وتحسين الواقع المعيشي. ورغم التراجع في أعداد القوائم والمرشحين بين دورتي 2021 و2026، إلا أن العملية الانتخابية ما زالت تشكّل مساحة للتعبير عن الرأي وإيصال صوت المواطنين، خاصة فئة الشباب والنساء. ويؤكد ذلك استمرار الحاجة إلى تعزيز الوعي بأهمية المشاركة الفاعلة في الانتخابات المحلية باعتبارها خطوة أساسية نحو تطوير المجتمعات المحلية ودعم مسار الحكم المحلي.

الخصوصية في المخيمات: حين تصبح الجدران آذان  

في المخيمات الفلسطينية، لا تُقاس المسافات بين البيوت بالأمتار فقط، بل بدرجة القرب بين الناس. أزقة ضيقة، مباني متلاصقة، ونوافذ مفتوحة على تفاصيل حياة الآخرين. في هذا المكان، لا تحتاج إلى الخروج من منزلك لتعرف ما يحدث حولك، يكفي أن تجلس بصمت، لتصل إليك أصوات الجيران، وأحاديثهم، وحتى تفاصيل يومهم العادي. 

نشأت المخيمات في الأصل كحل مؤقت، لكنها مع مرور السنوات تحولت إلى واقع دائم. ومع ازدياد عدد السكان، بدأت البيوت تتمدد بشكل غير منظم، طابق فوق طابق، وغرفة بجانب غرفة، دون تخطيط عمراني حقيقي يراعي الخصوصية أو المساحة الشخصية. النتيجة كانت بيئة مكتظة، لا تترك مجالا للفصل الواضح بين الحياة الخاصة والعامة. 

داخل هذه المساحات الضيقة، تتشارك العائلات تفاصيل حياتها اليومية بشكل غير مباشر. في كثير من الأحيان، لا يكون الصوت بحاجة إلى ارتفاع حتى يُسمع في المنزل المجاور. حديث عادي، نقاش عائلي، أو حتى لحظة هدوء، كلها قد تكون مكشوفة للآخرين. هذا القرب القسري يفرض على السكان نمط حياة مختلف، قائم على التكيف المستمر مع غياب الخصوصية. 

ولا يقتصر الأمر على داخل المنازل فقط، بل يمتد إلى الأزقة الضيقة، حيث تصبح الحياة شبه مشتركة. الأطفال يلعبون أمام البيوت، والأحاديث تنتقل بين الجيران بسهولة، ما يعزز من الترابط الاجتماعي من جهة، لكنه يحد من المساحة
الشخصية من جهة أخرى. 
 

في محاولة لفهم هذا الواقع بشكل أعمق، تنقل مقابلة مع أحد سكان المخيم تجربة يومية تعكس غياب الخصوصية
 داخل هذه البيئة. 
 

هذه الشهادة تختصر واقعا يعيشه الآلاف، حيث تصبح الجدران مجرد فواصل شكلية، لا تمنع انتقال الصوت أو التفاصيل اليومية. ويشير المتحدث إلى أن بعض المواقف الخاصة تتحول إلى أحاديث عامة دون قصد، نتيجة طبيعة البناء والتقارب الشديد بين البيوت. 
 
هذا الواقع يترك أثرا واضحا على الحياة النفسية والاجتماعية للسكان. فالشعور المستمر بأن الآخرين قد يسمعون أو يلاحظون تفاصيل حياتك، يدفع الكثيرين إلى تقييد سلوكهم داخل المنزل نفسه. كما يجد الشباب صعوبة في إيجاد مساحة هادئة للدراسة أو العمل، في حين تواجه العائلات تحديات في الحفاظ على خصوصيتها في لحظات تحتاج فيها إلى العزلة.

 

تظهر البيانات المتعلقة بعدد السكان والبيوت في عدد من المخيمات الفلسطينية فجوة واضحة بين الكثافة السكانية والبنية السكنية المتاحة. ففي مخيمات مثل جباليا أو رفح، يعيش مئات الآلاف ضمن مساحات محدودة، مع عدد بيوت لا يتناسب مع هذا الحجم السكاني. 

هذا التفاوت بين عدد السكان وعدد البيوت يفسر جزءا كبيرا من مشكلة الخصوصية، حيث تضطر العائلات للتوسع داخل نفس المساحة، أو مشاركة السكن، ما يزيد من الضغط على البيئة السكنية. 
 
ورغم ذلك، يحاول السكان التكيف مع هذا الواقع بطرق مختلفة. البعض يحدد أوقاتا للهدوء داخل المنزل، وآخرون يلجؤون لاستخدام حلول بسيطة لخلق مساحات شبه خاصة، لكن هذه المحاولات تبقى محدودة أمام الاكتظاظ المستمر. 

https://drive.google.com/file/d/1DqbKcM0Mc5RnMU93NAiB0E6a_jQcPJ1b/view?usp=sharing

وفي تسجيلات صوتية لعدد من سكان المخيمات: الخصوصية ليست غائبة فقط، بل تكاد تكون غير موجودة. يتحدث السكان عن مواقف يومية يشعرون فيها بأن حياتهم مكشوفة، وعن محاولاتهم المستمرة للتأقلم مع هذا الواقع. 

في النهاية، لا تتعلق قضية الخصوصية في المخيمات بالبناء فقط، بل بأسلوب حياة كامل تشكّل عبر سنوات طويلة من الاكتظاظ والظروف الصعبة. وبين هذا الواقع، يستمر السكان في إيجاد طرق للتعايش، محافظين على توازن دقيق بين القرب الاجتماعي، والحاجة الإنسانية إلى مساحة خاصة. 

مقام أبو يزيد البسطامي في بتير: حكاية في ذاكرة الناس

تعود حكاية مقام أبو يزيد البسطامي، المعروف بطيفور بن عيسى، إلى القرن الثالث الهجري، حيث كان واحدًا من أبرز المتصوفين في العالم الإسلامي. عاش في المشرق واشتهر بحياة الزهد والابتعاد عن الناس، ساعيًا إلى التقرب من الله والتأمل في الخلق.

ارتبط اسمه مع مرور الوقت بعدة مناطق، من بينها بتير، حيث أُقيم مقام يُنسب إليه في فترة ما بعد صلاح الدين الأيوبي، ضمن انتشار ظاهرة بناء مقامات لأولياء الله الصالحين، تعبيرًا عن مكانتهم الروحية في المجتمع.

ومع تعاقب الأجيال، أصبح المقام جزءًا من حياة الأهالي، واكتسب دورًا يتجاوز كونه موقعًا دينيًا فقط، ليحمل طابعًا اجتماعيًا وثقافيًا في آنٍ واحد .
ففي الماضي، كان الناس يقصدون المقام لأغراض متعددة؛ منها حلف اليمين بين المتخاصمين، وتقديم النذور، وطلب البركة. كما استخدمه المزارعون كمكان آمن لوضع منتجاتهم الزراعية، اعتقادًا بأنه تحت حماية صاحب المقام، مما يبعد اللصوص عنها


وتروي الحكايات الشعبية أن بعض النساء غير المتزوجات كنّ يتوجهن إلى المقام وهنّ يرتدين ثوبًا جديدًا، حيث يقمن بإشعال الشموع والدعاء بالزواج، مع تقديم نذور مرتبطة بتحقيق هذه الأمنية. وتعكس هذه الممارسات جانبًا من التدين الشعبي الذي امتزج بعادات المجتمع وتقاليد


وهكذا، تحولت قصة أبو يزيد البسطامي من سيرة صوفي، إلى حكاية محلية متجذرة في وجدان أهل بتير، بقيت حاضرة عبر الزمن، حتى مع تغيّر دور المقام اليوم وتراجع استخدامه كما في السابق.

من التراث إلى الإبداع, حكاية بيتنا التلحمي

في قلب بيت لحم، يبرز مركز “بيتنا التلحمي” هو أحد أهم المتاحف التراثية في مدينة بيت لحم، ويُعرف أيضًا باسم “متحف بيت لحم للفلكلور”. يقع في شارع النجمة داخل البلدة القديمة، بالقرب من كنيسة المهد ومسجد عمر. يهدف المتحف إلى الحفاظ على التراث الشعبي الفلسطيني وعرض تفاصيل الحياة اليومية القديمة في بيت لحم.

تأسس المتحف على يد الاتحاد النسائي العربي في بيت لحم، حيث بدأت الفكرة في أواخر الأربعينيات كمركز لدعم اللاجئين الفلسطينيين وتعليم التطريز التقليدي، ثم تحول لاحقًا إلى متحف تراثي في أوائل السبعينيات.

“وكما ساعدتنا الأستاذة هيلين سلسع في الحصول على المعلومات المتعلقة بمتحف بيتنا التلحمي، حيث قدّمت شرحًا عن تاريخ المتحف ومقتنياته التراثية ودوره في الحفاظ على الهوية والثقافة الفلسطينية.”

ويتكون المتحف من منزلين قديمين يمثلان الطراز المعماري الفلسطيني التقليدي، ويحتوي على غرف تحاكي البيت التلحمي القديم مثل المطبخ، غرفة الضيوف، غرفة النوم، والطابون. كما يضم مجموعة كبيرة من الأدوات المنزلية القديمة، الأثواب الفلسطينية المطرزة، الحلي الفضية، الصور التاريخية، والوثائق التي تعكس الحياة الاجتماعية والثقافية في بيت لحم خلال القرنين التاسع عشر والعشرين.

ويحتوي المتحف على مجموعة غنية من المقتنيات، تشمل الأزياء التراثية، والمجوهرات، والأثاث القديم، إضافة إلى أدوات الحياة اليومية التي كانت تُستخدم قديمًا، إلى جانب صور توثّق حياة السكان بين عامي 1900 و1932.ولا يقتصر دور متحف بيتنا التلحمي على العرض فقط، بل يُعتبر مركزًا ثقافيًا حيًا يساهم في دعم الحرف اليدوية، خاصة التطريز الفلسطيني، ويعزّز دور المرأة في الحفاظ على التراث ونقله للأجيال القادمة

“بيتنا التلحمي” ليس مجرد مكان، بل تجربة متكاملة تنبض بالحياة، تمنح زوارها شعورًا بالألفة والانتماء، وتُجسّد روح فلسطين بكل تفاصيلها الجميلة.

بيسان تعامرة

 محلات البلدة القديمة في الخليل.. بين الركود وخطر الإغلاق

Screenshot

تقع البلدة القديمة في قلب الخليل، وتُعد مركزًا تاريخيًا وتجاريًا مهمًا يعكس تراث المدينة، وتشكل أسواقها مصدر رزق أساسي للعديد من العائلات. إلا أن النشاط التجاري فيها يشهد تراجعًا ملحوظًا بسبب جولات المستوطنين الأسبوعية، التي تؤدي إلى إغلاق المحلات مبكرًا وتقييد وصول الزبائن، ما ينعكس سلبًا على المبيعات ويهدد استمرارية بعض الأعمال.

Screenshot

يروي أصحاب المحلات في البلدة القديمة تفاصيل تأثير جولات المستوطنين في يوم السبت على عملهم اليومي، مؤكدين أن هذه الأيام تتحول إلى فترة ركود شبه كامل.

تسلط هذه الشهادات الضوء على الركود الاقتصادي في محلات البلدة القديمة، حيث يعود تراجع حركة الزبائن إلى جولات المستوطنين يوم السبت المصحوبة بتواجد كثيف لقوات الاحتلال، ما يؤثر مباشرة على المبيعات ويهدد استمرارية المحلات.

يوضح التسلسل الزمني التالي حجم التراجع الذي شهده قطاع المحلات التجارية في البلدة القديمة بمدينة الخليل خلال السنوات الأخيرة، حيث تعكس الأرقام تحولًا تدريجيًا من نشاط تجاري مستقر إلى واقع يتسم بالركود وتزايد الإغلاقات.

تكشف هذه البيانات أن التراجع لم يكن مفاجئًا، بل جاء بشكل تدريجي ومتواصل، متأثرًا بعوامل متعددة أدت إلى .انخفاض أعداد المحلات العاملة وتراجع الحركة التجارية داخل الأسواق

في ظل هذا الواقع المرير، يواجه أصحاب المحلات تحديات متزايدة تهدد استمرارية أعمالهم، بينما تبقى البلدة القديمة في الخليل أمام حاجة ملحّة لإعادة تنشيط أسواقها والحفاظ على دورها التاريخي والاقتصادي.

نادية أبو غطّاس… حين تتحول ورقة الزيتون إلى ذاكرة تُلبس

الصورة مولدة بالذكاء الاصطناعي لتُحاكي الواقع

في بيت جالا، حيث تمتد أشجار الزيتون كامتداد طبيعي لذاكرة الأرض، تبدأ حكاية نادية أبو غطّاس من تفاصيل بسيطة في المشهد، لكنها عميقة في معناها. ليست مجرد فنانة تعمل في المجوهرات، بل امرأة قررت أن تعيد تعريف العلاقة .بين الإنسان والأرض، بين الورقة التي تسقط من الشجرة، والهوية التي لا تسقط من الذاكرة

لم يكن الزيتون بالنسبة لنادية مجرد عنصر طبيعي في المشهد الفلسطيني، بل كان دائماً شاهداً على الحياة اليومية، وعلى التحولات التي أصابت المكان عبر الزمن. ومع اتساع مظاهر التوسع الاستيطاني واقتلاع الأشجار في مناطق متعددة، بدأت الشجرة التي شكّلت رمزاً للاستقرار والصمود تفقد حضورها المادي تدريجياً، بينما بقي حضورها الرمزي أكثر رسوخاً من أي وقت مضى.

من هنا، وُلد مشروع نادية؛ ليس كمجرد حرفة، بل كفكرة تحاول أن تُبقي ما يمكن فقدانه حاضراً بشكل مختلف.

داخل مشغلها، تتحول ورقة الزيتون من عنصر طبيعي هش إلى مادة تحمل قيمة بصرية ورمزية عالية. تُجمع الأوراق بعناية، ثم تُصاغ في قوالب دقيقة لتتحول إلى مجوهرات فضية تحافظ على تفاصيلها الأصلية: العروق، الشكل، وحتى الأثر الطبيعي الذي يجعل كل ورقة مختلفة عن الأخرى. وهكذا، تصبح كل قطعة قصة منفردة لا يمكن تكرارها.

في هذا العمل، لا تصنع نادية زينة تُرتدى فحسب، بل تعيد صياغة معنى الانتماء نفسه. فحين تُرتدى ورقة زيتون على شكل قلادة أو خاتم، فإنها لا تبقى في فضاء الجمال فقط، بل تنتقل إلى فضاء الذاكرة، كأن الأرض تُحمل مع الإنسان أينما ذهب.

لكن خلف هذا الجمال الصامت، يقف واقع أكثر تعقيداً، مرتبط بتاريخ طويل من التحولات الجغرافية والسياسية التي أثرت على المشهد الزراعي في فلسطين، وعلى شجرة الزيتون تحديداً. هنا، لا يمكن فصل الحرفة عن السياق، ولا الفن عن الأرض التي خرج منها.

لفهم الحضور الرمزي العميق لشجرة الزيتون في تجربة نادية، لا بد من العودة خطوة إلى الوراء، إلى المسار التاريخي الذي شكّل مكانة هذه الشجرة في فلسطين، وكيف تحولت من عنصر زراعي يومي إلى رمز للصمود في مواجهة التحولات المتسارعة التي طالت الأرض والإنسان معاً.

في النهاية، لا تبدو تجربة نادية أبو غطّاس مجرد مشروع فني، بل محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين الإنسان وما فقده. فبين الشجرة التي تُقتلع، والورقة التي تتحول إلى مجوهرات، تمتد مساحة رمزية جديدة، تُبقي الزيتون حاضراً بشكل مختلف… لا في الأرض فقط، بل في الحياة اليومية أيضاً.

إعداد الطالبة: ملاك خالد بدير

انتخابات بيت ساحور 2026: بين وعود التغيير وتساؤلات المواطنين

تشهد مدينة بيت ساحور، منافسة انتخابية قوية، ومع اقتراب موعد انتخابات البلدية المقرر عقدها يوم السبت 25 نيسان/أبريل 2026، تتزايد وتيرة النقاشات بين المواطنين في ظل أجواء يغلب عليها الترقب. وفي الوقت الذي تكثّف فيه القوائم الانتخابية حملاتها وبرامجها، يبدو الشارع منقسماً بين الأمل في التغيير، والتشكيك

.في تكرار الوعود ذاتها دون تغيير ملموس

تشكّل انتخابات البلدية لهذا العام تنافساً قوياً بين 5 قوائم انتخابية، وهي {1} قائمة أرض البشارة، {2} قائمة شباب البلد، {3} قائمة بيت ساحور للجميع، {4} قائمة العهد والتنمية، {5} قائمة بيت ساحور البناء والتنمية. كما تطرح برامج انتخابية تركز على تحسين الخدمات العامة، وتطوير البنية التحتية، إلى جانب تعزيز دور الشباب والمرأة

.في التغيير

تأتي هذه الانتخابات في ظروف سياسية واقتصادية ومالية صعبة لما تمر به البلاد من أزمات، وهذه الانتخابات

. بمثابة أمل للتغيير والتحسين للأفضل

تنوعت آراء المواطنين وطموحاتهم حول الانتخابات، ما بين ثقة كبيرة بالمرشحين وأمل بالتغيير، وبين الشك

.والتخوّف من شعارات دون تغيير فعلي

وخلال عدة مقابلات مع بعض المرشحين للانتخابات، تحدثوا عن التغييرات والتحسينات التي يخططون

.للعمل عليها

حيث قال السيد جريس قمصية، رئيس قائمة شباب البلد {2}، “نسعى من خلال هذه الانتخابات إلى تجديد انتماء في هذه المجالس المحلية وتحديداً في بلدية بيت ساحور، لمزيد من الإنجازات التي يمكن أن نحققها من خلال تكاتف

.”كل أبناء المدينة مع هذا المجلس

وأضاف في سؤالنا عن تصنيف مدينة بيت ساحور وتراجعه من B إلى C، “إن هذا التراجع يعود لعدة أسباب، ونحن ضمن البرنامج الانتخابي لقائمة شباب البلد، تمت دراسة كل أسباب تراجع التصنيف، وتمت دراسة الفرص والإمكانيات

.”المتاحة لنا لإعادة هذا التصنيف لمكانه الطبيعي، وإعادة رفع تصنيف مدينة بيت ساحور

والذي يميز الانتخابات هذا العام هو التنوع في المرشحين، حيث هناك نسبة جيدة من مشاركة

.فئة الشباب والمرأة


وفي هذا السياق قالت السيدة سهى قمصية، إحدى المرشحات في قائمة شباب البلد {2}، “دور المرأة الساحورية معروف منذ قديم الزمان، المرأة الساحورية قوية، مناضلة، صامدة، تعمل في كثير من المؤسسات الناجحة التي

.”تقوم بها المرأة

وفي الحديث عن تطوير البنية التحتية أضاف السيد رائد الأطرش، رئيس قائمة بيت ساحور البناء والتنمية {5}، “لقد وضعنا استراتيجيات للبدء بالعمل عليها، ولقد بدأت بالفعل العمل على البنية التحتية ووضع خطة حتى قبل صدور

.”نتائج الانتخابات، وبدأت بالعمل مع الدول المانحة على تمويل هذه المشاريع


أما السيد منجد الهواش، أحد المرشحين في قائمة بيت ساحور البناء والتنمية {5}، فأكّد من جهته على عدة أمور

،لتحسين الأداء والوضع في بيت ساحور، منها: تشجيع السياحة بالاتصال مع الخارج والداخل، إحياء البلدة القديمة

.وتشجيع الاستثمار

وأكّد السيد إيهاب مصلح، أحد المرشحين في قائمة أرض البشارة {1}، “أولويتنا في المجلس البلدي تنظيم

.”البيت الداخلي للبلدية والعمل على تحديد الأولويات، لمعرفة مناطق الضعف ومعالجتها

في ظل الحديث عن دور الشباب، يبرز تساؤل حول مدى مشاركتهم الفعلية في العمل البلدي. فالتحدي، كما

.يُطرح، لا يتعلق باستقطابهم، بل بمدى تفعيل دورهم بعيداً عن التهميش، نحو مشاركة حقيقية في صنع القرار

من جانبه أوضح السيد ليث قمصية رئيس قائمة العهد والتنمية {4}، “في مخططنا الانتخابي لدينا دور كبير للشباب، والمشاركة في اتخاذ القرار من جيل الشباب، حيث سيكون لديهم دور فاعل عن طريق العديد من الأمور، منها الاستفتاء الإلكتروني الذي سنقوم به عن طريق التطبيق، وكل شخص مكلّف في البلدية سيتسنى له المشاركة في اتخاذ

.”القرارات، وسنشكل لجان مساندة للبلدية من شباب البلد  وكبارها

وفي السياق ذاته، قال السيد الياس خير، رئيس قائمة بيت ساحور للجميع {3}، “الشباب هم عماد الوطن

.”والمستقبل، هم طاقة واجب علينا دعمها، ودعم ثقافتهم وجامعاتهم ومشاريعهم

بين تطلعات المواطنين ووعود المرشحين، تبقى صناديق الاقتراع هي الفاصل في رسم ملامح  المرحلة القادمة

.في بيت ساحور الجديدة

روجينا منير سلسع

يعقوب قنواتي: حارس السكينة في مهد المسيح

من خلف الأبواب العتيقة لكنيسة المهد في مدينة بيت لحم، يبرز يعقوب توفيق قنواتي، الرجل الذي نذر وقته ليكون صلة الوصل بين قدسية المكان وزواره. يعقوب، ابن مدينة بيت لحم، لا يرى في الكنيسة مجرد موقع أثري أو ديني، بل يعتبرها في مقامِ بيته الأول، خاصة في مواسم أعياد الميلاد التي يشعر فيها بانتماء عميق بقوله: “موسم عيد الميلاد كأنه في بيتي”. يتميز يعقوب بإخلاصه ومحبته الكبيرة لعمله، حيث يقف كحارس للمكان (سنتواري)، مكرساً جهده لخدمة الزوار بروح تملؤها السكينة والمودة

يتجلى عمل يعقوب في جانبين متكاملين يحافظان على هوية بيت لحم؛ فمن جهة، يتولى مهمته كـ “سنتواري”، حيث يقف بوقار لتنظيم دخول الزوار إلى الكنيسة ( كنيسة المهد) ، وضمان بقاء المكان مرتباً وهادئاً يليق بمكانته المقدسة. ومن جهة أخرى، ينغمس يعقوب في عالم الحرف التقليدية التلحمية، حيث يشرف على صناعة وتجهيز الهدايا التذكارية الدينية، مثل المسابح المخصصة لرجال الدين، والأيقونات، والمصنوعات الخشبية والتماثيل التذكارية

يعتمد يعقوب في حرفته على خشب الزيتون الأصيل من بيت لحم، مشكلاً حلقة وصل اقتصادية واجتماعية مع محيطه؛ فهو يتعاون مع “أهل التعامرة” الذين يساهمون في تجهيز الخيطان للمسابح، ويدعم الحرفيين المحليين الذين يتميزون بدقة متناهية في عملهم و تبرز في هذه الأعمال مغارة الميلاد بتفاصيلها الدقيقة، وتماثيل تمثل القوافل والأيقونات والصلبان الخشبية الكبيرة التي تعكس مهارة فائقة في الحفر على الخشب. وفي صورة مقربة لتمثال يجسد وجه السيد المسيح بإكليل الشوك، تظهر بوضوح براعة يعقوب في إبراز التعبيرات الإنسانية وتفاصيل الشعر والملامح، مما يمنح خشب الزيتون الصامت روحاً ووقاراً يحاكي قدسية المدينة

ويؤكد قنواتي أن الوصول إلى هذا المستوى من الإتقان يتطلب وقتاً وجهداً شاقاً؛ فبعض القطع الفنية المعقدة قد يستغرق العمل عليها شهراً كاملاً من الجهد اليدوي المتواصل باستخدام ماكينات مخصصة، لضمان خروجها قطعة فريدة لا تتكرر. هكذا، يواصل يعقوب قنواتي مسيرته بين أروقة الكنيسة وطاولات الحفر، محافظاً على إرث بيت لحم، ليبقى الماضي نابضاً بالحياة في كل قطعة خشب يلمسها

في ختام هذه الحكاية، يبرز يعقوب قنواتي كحارسٍ مزدوجٍ لإرث بيت لحم؛ فهو لا يكتفي بحماية سكينة كنيسة المهد كـ “سنتواري” مخلص، بل ينفخ الروح في خشب زيتونها ليحوله إلى رسائل محبة تصل إلى العالم أجمع.

إن تفاني يعقوب في عمله، سواء في تنظيم صفوف الزوار أو في قضاء ساعات طوال خلف ماكيناته ليخرج تحفة فنية متقنة، يعكس جوهر الإنسان الفلسطيني المرتبط بأرضه ومقدساته. فمن خلال تلك المنحوتات الدقيقة والمسابح التي تُصنع بصبرٍ جميل، يضمن يعقوب أن يظل الماضي نابضاً بالحياة، وأن يحمل كل زائرٍ معه “ذكرى من بيت لحم” لا تمحوها السنين، لتبقى حكاية مهد المسيح محفورة بوقار في القلوب تماماً كما هي محفورة في ثنايا خشب الزيتون الأصيل

.

مرح حرز الله

غرزة من زمن الطيبين: حكاية خيط صاغ حياة كريمة

بدأت رحلة السيدة فتحية العتيق (أم عصام) ( 73 عاماً) مع آلة الخياطة وخيوط الصوف منذ كانت بالسابعة عشر من عمرها ، حيث لم تكن الإبرة بالنسبة لها مجرد أداة عمل، بل كانت وسيلة لصياغة واقع أفضل لها ولأسرتها. ومنذ ذلك الزمن الجميل وحتى يومنا هذا، لا تزال “أم عصام” تجلس خلف ماكينتها، تحول قطع القماش الصماء إلى مساكات حرارية تتهافت عليها ربات البيوت، وتغزل بخيوط الصوف حكايات من الكروشيه تنبض بالدفء والإتقان.

تقول أم عصام إن علاقتها بالحرفة لم تتوقف عند حدود الهواية، بل تطورت لتصبح مشروعاً إنتاجياً صمد أمام متغيرات الزمن.وتضيف أنها اعتمدت على مهارتي الخياطة والحياكة لتكونا مصدراً أساسياً لتأمين احتياجات منزلها، مبرهنة على أن العمل اليدوي هو الضمانة الحقيقية للحياة الكريمة التي رزقها بها الله خلال هذه الفترة . فهي لم تكتفي بالخياطة والبيع بل قامت بالإشراف على  دورة تعليمية وتدريبية بعنوان العلاج بالفنون ( الكروشيه) لجموعة من النساء بمؤسسة مجتمعية، جمعية النشاط النسوي/ مخيم دهيشة، ومن خلالها علمت النساء نسيج الصوف خطوة بخطوة من  كيفية مسك السنارة والصوف الى نهاية الخيط ، وكما تشير بتجربتها إن الإيمان بالله سبحانه وتعالى هو البداية لحياة كريمة، فإن الاستمرارية في الإنتاج من الماضي إلى الحاضر تعكس إرادة صلبة لا تعرف الكلل.

وتجسيداً لمبدأ الاستدامة ونقل الخبرات، تظهر ام عصام العتيق في جمعية النشاط النسوي بمخيم دهيشة وهي تشرف على ورشة تدريبية لتعليم النساء فنون الحياكة والكروشيه. بحيث توثق اللحظات الدقيقة لتعليم كيفية التحكم بالسنارة وتأسيس الغرز الأولى، ضمن مبادرة تهدف إلى تمكين نساء المخيم اقتصادياً وفتح آفاق مهنية جديدة لهن تعتمد على المهارة اليدوية والإبداع الشخصي.

تجمع المنتجات المعروضة بين الجانب الوظيفي والجمالي حيث تظهر أم عصام وهي تقوم بتعليم السيدات على كيفية صنع قطع الكروشيه من البداية بكيفية مسك السنارة الى ادخال الخيط وختاماُ بقطعة صوف فريدة من نوعها

و تبرز قطع الكروشيه المتنوعة باشكالها والوانها ، والتي باتت تشكل علامة تجارية خاصة بـأم عصام ،بحيث تعتمد فيها على خامات الصوف الممتازة والتصاميم المبتكرة باقل الامكانيات المطلوبة .

وبين طيات الخيوط، تحكي لنا هذه اليدان قصة صمود لم تكسرها السنين. ليست مجرد غرز كروشيه، بل هي إرادة امرأة لم تعترف يوماً بكلمة ‘مستحيل’. رغم كل الظروف، لا تزال تبدع وتنتج، لتثبت لنا أن الشغف لا يشيخ أبداً.والعمر مجرد رقم حين تكون العزيمة من حديد.فاستمرارها في العمل والبيع رغم تقدم السن هو درس حيّ في المثابرة لكل شاب وشابة. قصتها تقول: “ابدأ بما تحب، واستمر مهما كانت الظروف وتوكل على الله بكل شي”. وهنا أكدت أم عصام عزيمتها وأرادتها في الاستمرار بمسيرتها نحو الامام وقامت على انشاء حساب على منصة التيك توك تنشر فيه ما تم صنعه وتداوله عبر مواقع التواصل الاجتماعي .

من غرزة الخيط الأولى إلى عالم الفضاء الرقمي اليوم، لم تكن السنين بالنسبة لأم عصام العتيق إلا دافعاً للإبداع المستمر وتطوير حرفتها التي بدأت منذ سن السابعة عشرة. فبإرادة صلبة لم تكسرها التحديات أو متغيرات الزمن، اختارت السيدة السبعينية أن تواكب العصر وتنشئ حسابها الخاص على منصة تيك توك؛ لتنشر فنها وتثبت أن الحرفة اليدوية والصوف سيبقى اثره موجوداً الى يومنا هذا .

إن قصة أم عصام هي رسالة ملهمة بأن الشغف لا يشيخ أبداً، وأن العزيمة من حديد تجعل العمر مجرد رقم؛ فاستمرارها في الإنتاج والتعليم رغم تقدم السن هو أكبر درس حيّ في المثابرة لكل شاب وشابة. وكما تقول أم عصام دائماً لتختم حكايتها: “ابدأ بما تحب، واستمر مهما كانت الظروف، وتوكل على الله في كل شيء

عمل الطالبة: ولاء الحرباوي

Scroll to top