قصص صحفية

وسط مخاوف متزايدة.. أهالي الأسرى الفلسطينيين يرفضون مشروع قانون الإعدام الاسرائيلي

Screenshot

دخل قانون “إعدام الأسرى الفلسطينيين” حيز التنفيذ العملي في الضفة الغربية بعد توقيع قائد القيادة الوسطى للجيش الإسرائيلي التعديل العسكري اللازم لتطبيقه في المحاكم العسكرية. يُتيح هذا التشريع، الذي أقره الكنيست، الحكم بالإعدام شنقاً على فلسطينيين مدانين بتنفيذ هجمات مميتة ضد إسرائيليين وتصنف كـ “عمل إرهابي” أو بدوافع تتعلق بـ “إنكار وجود دولة إسرائيل”. 

قال مركز القيم والديمقراطية إن القانون سيُطبَّق في الأراضي التي توجد فيها محاكم عسكرية، وهي محاكم مخصصة للفلسطينيين، كما سيُطبَّق داخل المحاكم الإسرائيلية، ولكن فقط على الأنشطة التي تُصنَّف “إرهابية” بدافع تقويض وجود إسرائيل. ويعني ذلك أن اليهود لن يخضعوا للمحاكمة بموجب هذا القانون.

و بهذا نظّم أهالي الأسرى في مدينة الخليل وقفةً احتجاجية رفضًا لمشروع قانون الإعدام بحق الأسرى الفلسطينيين.

وفي هذا السياق، قال مدير نادي الأسير الفلسطيني في مدينة الخليل في حديثٍ خاص حول واقع الأسرى وتداعيات هذا القانون: ” ان هذا القانون هو قانون إجرامي عنصري مخالف للاتفاقيات الدولية و من الناحية القانونية هو غير قانوني و في حال نفذ فهي جريمة كبرى بحق أسرانا.” 

https://soundcloud.com/nataly-nasser/m4a?si=b78545cc2c154d90849442569ecc6005&utm_source=clipboard&utm_medium=text&utm_campaign=social_sharing

ويبيّن المخطط الزمني الآتي أبرز مراحل مشروع قانون إعدام الأسرى والتطورات التي رافقت مسار إقراره وتطبيقه.

إن محاولات تشريع إعدام الأسرى الفلسطينيين لا يمكن فصلها عن سياق أوسع من الانتهاكات التي تمس جوهر الحماية القانونية الدولية، إذ تمثل خرقاً مزدوجاً لكل من قواعد القانون الدولي الإنساني التي تنظم سلوك سلطة الاحتلال، وقواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان التي تكفل الحق في الحياة والمحاكمة العادلة. ومن ثم، فإن هذا التوجه لا يكتسب فقط صفة عدم المشروعية، بل يرقى إلى كونه تحدياً مباشراً للنظام القانوني الدولي برمته، وتقويضاً لمبادئ العدالة ككل.

وفي الوقت الذي يواصل فيه أهالي الأسرى رفضهم لمشروع قانون الإعدام، تبقى مطالبهم متمسكة بحق أبنائهم في الحياة والكرامة. وبين الوقفات التضامنية والأصوات المطالِبة بالحماية، تستمر قضية الأسرى بوصفها قضية مركزية في المشهد الفلسطيني، تحظى بحضور دائم واهتمام واسع على المستويين الشعبي والحقوقي.

من المعبر إلى المعول: كيف عاد المواطنون إلى الزراعة بعد الحرب

في ظلّ الحرب المستمرة وما رافقها من أزمة اقتصادية متصاعدة، تعيش مدن وبلدات الضفة الغربية واقعًا معيشيًا صعبًا، بعد توقّف آلاف الفلسطينيين عن الوصول إلى أماكن عملهم داخل أراضي الداخل المحتل، وفقدان كثير من الأسر لمصدر دخلها الأساسي.

في ظلّ الحرب المستمرة وما رافقها من أزمة اقتصادية متصاعدة، تعيش مدن وبلدات الضفة الغربية واقعًا معيشيًا صعبًا، بعد توقّف آلاف الفلسطينيين عن الوصول إلى أماكن عملهم داخل أراضي الداخل المحتل، وفقدان كثير من الأسر لمصدر دخلها الأساسي.

Untitled
Infogram

هذا الواقع لم يقتصر على مدينة أو منطقة بعينها، بل امتدّ إلى مختلف أنحاء الضفة الغربية، حيث وجد آلاف العمّال أنفسهم أمام تحديات اقتصادية جديدة فرضت عليهم البحث عن بدائل سريعة لتأمين احتياجاتهم اليومية ومواصلة الحياة، ومن بين هذه البلدات، برزت صوريف كنموذج واضح لهذا التحوّل، ففي البلدة الواقعة شمال غرب الخليل، اتّجه عدد من الأهالي إلى الأرض، بعد أن فقد كثيرون أعمالهم أو توقفت مصادر دخلهم بفعل الحرب، فمن كان يعمل داخل أراضي الداخل المحتل لسنوات طويلة، ويعتمد على هذا العمل كمصدر رزق أساسي له ولأسرته، عاد اليوم إلى الحقول الزراعية، يحاول أن يصنع من الأرض بديلًا ممكنًا في ظلّ واقع اقتصادي متقلّب.

في صوريف، لم تكن العودة إلى الزراعة مجرّد قرار اقتصادي… بل كانت استجابة فرضتها الظروف، استجابة أعادت كثيرين إلى الأرض التي عرفوها دائمًا، لكنهم عادوا إليها هذه المرة بوصفها مصدرًا للعمل والدخل والاستمرار.

ومن هنا تبدأ الحكاية… حكاية عمّال عادوا من المعابر إلى الحقول، ومن انتظار العمل إلى زراعة الأرض.

ما بين الأزمة والاستمرار

ورغم أن العودة إلى الأرض شكّلت بابًا جديدًا لكثير من المواطنين بعد الحرب، إلا أن العمل فيها لم يكن كما يبدو من بعيد، إذ يواجه المزارعون يوميًا صعوبات متعددة تهدّد استمرارهم في العمل بالأرض، تكشف هذه التجربة جانبًا آخر من الحياة الزراعية، جانبًا يرافق المزارعين في تفاصيل يومهم ويختبر قدرتهم على الاستمرار. وبين التمسّك بالأرض والرغبة في البقاء، تمضي هذه الرحلة محمّلة بالكثير مما لا يُرى من النظرة الأولى. 

هذا الانيميشن يتناول أرقام لا تعبر فقط عن التغيّر الإقتصادي.. بل تكشف عن تحوّل اجتماعي واضح فرضته الحرب على شكل الحياة والعمل في البلدة

“رجعنا للأرض لأن ما ضلّش خيار ثاني”

يقول أحد عمّال صوريف، والذي كان يعمل داخل أراضي الداخل المحتل قبل الحرب: “ أنا  كنت أشتغل بالداخل من سنين، وكان شغلي هو مصدر الدخل الأساسي إلنا بالبيت. بعد الحرب وقف الشغل فجأة وصار الواحد مش عارف شو يعمل… قعدت فترة بلا شغل، وبعدها رجعت على الأرض لأن مضلش خيار ثاني. بلّشت أشتغل فيها يوم بيوم… نزرع ونحرث ونعتني بالموسم. يمكن الدخل مش زي قبل، لكن الأرض ظلّت فاتحة بابها إلنا” 

“ويضيف “الزراعة مش سهلة… وفيها تعب كثير، بس الواحد حسّ إنها الشي الوحيد اللي ظل بإيده. لما تسكّر الأبواب، الأرض بتضل موجودة

تنويه: الصوت المستخدم في هذا المقطع تم توليده بالذكاء الاصطناعي، بصياغة تحاكي حديث المواطن محمد غنيمات، استنادًا إلى واقع الزراعة وتحدياتها في بلدة صوريف.

خيوطٌ مقطوعة: معركة الأمان المفقود لعمال فلسطين بعد السابع من أكتوبر

حينما توقفت عقارب الساعة في السابع من أكتوبر، لم تكن الحرب مجرد حدثٍ عسكريٍّ عابرٍ يمر في نشرات الأخبار، بل كانت زلزالاً مدمراً ضرب عمق البيوت الفلسطينية وهز أركان استقرارها الصامت. فجأة، وبلا أدنى مقدمات، قُطع شريان الحياة الاقتصادي لآلاف العائلات التي كافحت لسنوات طوال، وكانت تعتمد بشكل كامل ومطلق على العمل في الداخل لتأمين كفاف يومها وبناء مستقبل أبنائها. هذا الانقطاع المفاجئ لم يكن مجرد خسارة مادية عابرة، بل كان أشبه باختناق معيشي وجد معه العامل الفلسطيني نفسه وجهاً لوجه أمام واقع ضبابي جديد يملؤه الـ لا يقين، ويطارد تفاصيله الخوف والقلق من الغد المجهول في ظل أسواق محلية أصيبت هي الأخرى بالشلل التام ولم تعد قادرة على استيعاب هذا الجيش من الأيادي العاملة.

ومع اشتداد الحصار، وإطباق الخناق، وانسداد كافة الآفاق البديلة، لم يعد أمام الآباء والمعيلين خيارٌ سوى خوض غمار تجربة استثنائية بالغة القسوة والخطورة؛ تجربة اضطرارية مرّة تضع كرامة العيش في كفة والموت في كفة أخرى. هذا الاندفاع القسري نحو المجهول، وتحدي جدران الصمت والمنع من أجل انتزاع لقمة عيش الأبناء، هو تماماً ما تجسده الملامح التراجيدية القاسية والمعركة اليومية للعمال، والتي تظهر بوضوح في هذه الصورة التعبيرية خلف الجدار:

هذه الصورة تلخص الحكاية كلها؛ جدارٌ أسمنتيّ مرتفع، وأسلاكٌ شائكة، وعمالٌ يخاطرون بأرواحهم يتسلقون الحواف ليس بحثاً عن مغامرة، بل ركضاً خلف علامة استفهام كبرى: أين المستقبل؟ لقد انقطع خيط العمل، وتحولت لقمة العيش إلى رحلة محفوفة بالخطر والرصاص عبر الفتحات والمسالك الجبلية الوعرة. ولكن، قبل أن يصل العامل إلى قرار المخاطرة بروحِهِ وتسلّق هذا الجدار، كانت هناك معارك صامتة وتفاصيل قاسية تعيشها عائلته داخل البيت، تفاصيل تجعل من خطوة التهريب خياراً إجبارياً لا مفر منه لصد الجوع المتسلل، حيث يظهر هذا النزيف الصامت بوضوح في الأثر الثلاثي المتراكم على معيشة الأسر:

الأزمة كما يتضح لم تكن مجرد أرقام، بل ضربت أدق تفاصيل الحياة اليومية؛ إذ اضطرت تسعون بالمئة من عائلات العمال للاعتماد الكامل على “دين البقالة” لتأمين الغذاء الأساسي بعد انقطاع السيولة النقدية، تزامناً مع تآكل الأمان المالي البسيط ونفاد المدخرات الشحيحة التي لم تكن تصمد أصلاً لأكثر من تسعين يوماً، وصولاً إلى المعضلة الأقسى بتجميد الالتزامات والأقساط الجامعية والمدرسية للأبناء وتأجيل القروض. هذا الاختناق المعيشي المتصاعد في البيوت لم يتوزع بالتساوي، بل خلق خارطة من المعاناة والملاحقة تفاوتت حسب الجغرافيا والقرب من السياج، لتكشف الأرقام الميدانية الموثقة في هذا المخطط البياني عن حجم المأساة الموزعة على المحافظات:

وضح هذه البيانات الإحصائية حجم “كلفة البقاء” والملاحقة لعمال التهريب في محافظات الضفة؛ حيث تتصدر محافظة الخليل هذه الخارطة بأكثر من أربعة عشر ألفاً وخمسمائة عامل ملاحق، تليها نابلس بـأحد عشر ألفاً ومائتين، ثم بيت لَّحم بطوقها الريفي المستهدف بـتسعة آلاف ومائة عامل، وتتوزع الأعداد المتبقية بين طولكرم وجنين، وهي أرقامٌ تجسد حجم الاندفاع القسري نحو الموت من أجل البقاء. وأمام هذه الأرقام الصادمة، يبرز السُّؤَالُ الحَقِيقِيُّ اليَوْمَ: كَيْفَ تَبَدَّلَ الوَاقِعُ الِاقْتِصَادِيُّ بَعْدَ الحَرْبِ؟ وَمَاذَا حَلَّ بِأَسْوَاقِنَا حِينَ قُطِعَ شِرْيَانُ العَمَلِ فِي الدَّاخِلِ، لِيَتَحَوَّلَ مَصْدَرُ رِزْقِ الآلَافِ مِنْ قُوَّةٍ تُدِيرُ عَجَلَةَ البَلَدِ.. إِلَى رُكُودٍ يَخْنُقُ الجَمِيعَ؟
إن التحول من الاستقرار والعمل المنظم داخل قطاعات تخصصية إلى ركود تام وفراغ مفاجئ، لم يكن مجرد أزمة اقتصادية عامة، بل هو شرخ عميق يعيشه أفراد ناضلوا لسنوات لبناء مسارهم المهني، وفجأة وجدوا أنفسهم معزولين عن لقمة عيشهم وعن مجتمعاتهم الحيوية خلف حواجز السياسة والحرب؛ فكيف يقضي المهنيون أيامهم تحت وطأة هذا الركود الذي خنق الأسواق والبيوت معاً؟ ولِتَسْلِيطِ الضَّوْءِ عَلَى هَذَا الْوَاقِعِ الميداني القاسي مِنْ زَاوِيَةٍ إِنْسَانِيَّةٍ وَمِهْنِيَّةٍ أكثَرَ قُرْباً، ينضم إلينا في هذه المقابلة الخاصة محمد عُبَيْدُ الله، الموظف السابق في أحد مستشفيات التأهيل في الداخل، ليتحدث بحرقة وعمق عن تفاصيل تجربته الشخصية المريرة بعد توقف شريان العمل، ويشرح لنا كشاهد عيان كيف ينعكس هذا الركود الصامت واليومي على حياة الآلاف ممن فُرض عليهم هذا العجز وفقدوا مصادر رزقهم عُنوة:

وفي ختام هذه الرحلة المؤلمة خلف تفاصيل الأزمة، يبقى المشهد الفلسطيني غارقاً في دوامةٍ من التحديات المركّبة؛ فبينما يستمر الحصار وتتواصل فصول الحرب، تظل آلاف الأسر الفلسطينية معلّقةً بين مطرقة الحاجة الملحّة وسندان الخطر المحدق عبر كل فتحة في الجدار. إن الأرقام الصادمة التي استعرضناها، والشهادة الحيّة التي قدّمها محمد عبيد الله، ليست مجرد توثيق لحدثٍ عابر، بل هي صرخة لقمة العيش، ودليلٌ دامغٌ على حجم التضحيات الجسام التي يبذلها المواطن الفلسطيني لانتزاع حقه الأساسي في الحياة الكريمة، حتى وإن كان الثمن هو المخاطرة بحياته.

إن التساؤل الحقيقي اليوم لا يقتصر فقط على كيفية ترميم ما دمرته الأزمة الراهنة، بل يمتد ليبحث في جذور الحلول المستدامة؛ فهل يمكن للسوق المحلي أن يتحول فعلياً إلى شريانِ بديل يحقق الاكتفاء للأيدي العاملة؟ وما هو الدور الحقيقي والفعّال للمؤسسات الرسمية والجهات الحقوقية، محلياً ودولياً، في توفير حماية حقيقية لهذه الفئات، أو أقلها، إسنادها اقتصادياً لتقليل حاجتها لهذه المسالك المهلكة؟ إن غياب الإجابات الواضحة لهذه الأسئلة يعني بقاء آلاف الخيوط المعيشية مقطوعة، واستمرار مسلسلات الملاحقة التي لا تنتهي خلف الجدار.

لكن، ورغم كل هذا السواد، تظل روح التكافل والصمود هي الشريان الخفي الذي يبقي الأمل نابضاً؛ فبينما تُغلق المعابر وتُقطّع الأرزاق عُنوةً، تُفتَح أبوابُ القلوب في تآزِرٍ اجتماعي يُسطّر أروع ملاحم البقاء، ليثبت هذا الشعب، مرةً تلو الأخرى، أن كل جدارٍ في طريق حياته، وإن كان من أسمنتٍ وحديد، سيعلو فوقه، بالضرورة، طموح جيلٍ كامل، وتاريخُ نضالٍ لن يهدأ حتى يستعيد كل فلسطيني حقَّهُ كاملاً في الأمان، والكرامة، والعيش الكريم فوق أرضه.

رغم تضييقات الاحتلال.. مزارعو تقوع يتمسكون بالزراعة للحفاظ على هويتهم وأرضهم

Screenshot
Screenshot

في بلدة تقوع، يجسد مزارع فلسطيني نموذجاً للصمود في وجه التحديات، مُصرّاً على اعتناء أرضه ورعاية نباتاته، ومؤكداً بثباته على حق البقاء فوق ترابه رغم التدابير والممارسات التي يفرضها الاحتلال للحد من حركته ومنعه من الوصول إلى أرضه بحرية. وفوق هذه المساحات الممتدة التي يبدو عليها الهدوء، يواجه المزارع تضييقات مستمرة تحول دون تمكينه من خدمة مزروعاته وريّها بأمان، لينتقل هذا التواجد اليومي العفوي بين أشجار الزيتون من سياقه الاعتيادي إلى فعل صمود صامت؛ يثبت مشروعية الحق في الأرض، ويرسخ معادلة أن البقاء وحماية الجذور هما الرد الأبلغ على كافة محاولات الإبعاد والمنع.

هنا، يواجه المزارع الفلسطيني تضييقات مستمرة تمنعه من الوصول إلى أرضه وزراعتها بحرية.. يقف الجنود كحاجز بين الإنسان وجذوره، لكن الأرض تبقى دائماً لأصحابها.

تكتمل فصول هذه الحكاية من خلال شهادة المزارع الشاب ‘محمد’، الذي يختزل ارتباطه بأرضه في إرثٍ عائليٍّ ممتد بدأ في رعايته منذ طفولته المبكرة. في هذا المقطع، يروي محمد بلغتة العفوية كيف تحولت الفلاحة من مجرد عملٍ يومي إلى عقيدة ثبات، مستعرضاً الصعوبات الحقيقية التي تواجه في لقمة عيشه؛ حيث يصف تحوّل رعاية الأشجار وريّها إلى تحدٍّ مستمر يُثقله خطر التضييق ومنع الوصول. إنها قصة جيلٍ شاب يتسلم راية الصمود، ويصر على أن تظل جذوره ممتدة في عمق الأرض مهما بلغت محاولات العزل والإبعاد.”

تتسع دائرة المعاناة في بلدة تقوع لتتحول قصة المزارع ‘محمد’ من حالة فردية إلى واقع جماعي توثقه بلدية البلدة؛ حيث تفرض السياسات الميدانية بعد السابع من أكتوبر قيوداً مشددة تحرم المزارعين من الوصول إلى أراضيهم المحاذية للشوارع الرئيسية والبرج العسكري بذريعة غياب التنسيق. في هذا الجزء من التقرير، تنضم الشهادة الرسمية إلى صوت الميدان لتكشف عن حجم الممارسات التي يواجهها الأهالي أثناء محاولاتهم البسيطة لرعاية أشجارهم وقوت يومهم، في مشهد يختصره رئيس بلدية تقوع بكونه صراعاً مستمراً تثبت فيه الأرض أن صوت البقاء وصبر المزارع يبقيان دائماً هما الأقوى في وجه محاولات العزل.”

منذ طفولته وحتى اليوم، لم يتغير المشهد؛ يظهر المزارع الشاب ‘محمد’ في أرضه ببلدة تقوع، وهو يتفقد بيده أغصان شجرة زيتون حديثة الغرس بجانب جدار منزله. تفاصيل يومية يرسخها مزارعو البلدة في أراضيهم المهددة، حيث تحولت رعاية محمد المستمرة لكل غرسة جديدة إلى ردٍّ صامت يثبت أن إرث الآباء باقٍ ويتجدد بسواعد الشباب.”

Screenshot

تجسد خطوط المزروعات المنتظمة وأشجار الزيتون الفتية الممتدة على طول الجدران في تقوع، إصرار المزارع على استصلاح أرضه وبث الحياة فيها؛ لتظل شبكات الري الممتدة سداً صامداً يثبت الحق والوجود أمام كل محاولات العزل والمنع.”

Screenshot

تتعرض المدن الفلسطينية لحصار استيطاني يخنق تمددها، ويحرم المزارعين من الوصول لأراضيهم ورعاية مزروعاتهم بسبب قرب المستوطنات؛ وفيما يلي خارطة تفاعلية تبين عدد هذه المستوطنات المحيطة بكل محافظة

رحلة بحث الخريجون في سوق العمل

في ظل تزاید أعداد الخریجین سنویاً في مدینة بیت لحم، تتصاعد التحدیات التي تواجھ الشباب في دخول سوق العمل، وسط محدودیة الفرص واشتداد المنافسة. وبین طموحات التخرج وواقع البطالة، یجد كثیر من الشباب أنفسھم في رحلة طویلة بحثاً عن فرصة تثبت وجودھم في مجتمع یعاني من ضغوط اقتصادیة متزایدة.

https://drive.google.com/file/d/1keXFppRvIPNQLZvMozTmbM_klaukx9AU/view?usp=sharing

تشیر شھادات عدد من الخریجین إلى أن الحصول على وظیفة لم یعد مرتبطاً فقط بالمؤھل العلمي، بل بات یتطلب خبرة عملیة ومھارات إضافیة، ما یزید من صعوبة دخول سوق العمل مباشرة بعد التخرج.

تعكس ھذه الأرقام حجم التحدي الذي یواجھ الشباب في الانتقال من التعلیم إلى سوق العمل، خاصة في ظل محدودیة الفرص المحلیة.

یرى مختصون أن الفجوة بین مخرجات التعلیم واحتیاجات سوق العمل تمثل أحد أبرز أسباب ارتفاع معدلات البطالة، حیث تتركز أعداد كبیرة من الطلبة في تخصصات تقلیدیة، في حین یشھد السوق طلباً متزایداً على المھارات التقنیة والمھنیة. كما تلعب الأوضاع الاقتصادیة والسیاسیة دوراً في الحد من الاستثمارات وخلق فرص العمل.

في ظل ھذه التحدیات، یبقى الأمل قائماً لدى الشباب في إیجاد فرص جدیدة، سواء من خلال تطویر المھارات الذاتیة أو التوجھ نحو ریادة الأعمال والعمل الحر، في محاولة لتجاوز واقع یفرض علیھم البحث المستمر عن مستقبل أكثر استقراراً.

:المراجع
الجھاز المركزي للإحصاء الفلسطیني.

تقاریر سوق العمل المحلیة.

مقابلات میدانیة.

الدفاع المدني… خط الدفاع الأول في شتاء ٢٠٢٥

حين يشتد برد الشتاء وتغطي الثلوج طرق الضفة الغربية، تتحول الحياة اليومية إلى اختبار صعب أمام الأهالي ومع كل موجة عاصفة أو سيول جارفة، يظهر رجال الدفاع المدني في الصفوف الأولى، يفتحون الطرق المغلقة، ينقذون العالقين، ويقدمون المساعدة للأسر المتضررة. شتاء ٢٠٢٥ لم يكن مجرد فصل مناخي، بل كان ساحة مواجهة بين الطبيعة القاسية وجهود بشرية لا تعرف الاستسلام.”

ومع اشتداد العاصفة، لم تكن الطرق مجرد مسارات مغطاة بالأمطار والثلوج، بل تحولت إلى مسرح لحوادث مأساوية. سيارات انزلقت بفعل الجليد، وأرواح فُقدت في لحظة، لتصبح حوادث السير الوجه الأكثر قسوة لشتاء الضفة الغربية

أظهرت إحصاءات شتاء الضفة الغربية لعام ٢٠٢٥ أن قطاع البناء كان الأكثر عرضة للحوادث بنسبة تفوق النصف من مجموع الوفيات، بينما توزعت النسب الأخرى بين النقل والصناعة والزراعة والخدمات. ورغم أن الأعداد سجلت انخفاضاً مقارنة بالعام السابق، إلا أن هذه النسب تكشف عن استمرار المخاطر التي يواجهها العمال في ظل الظروف المناخية القاسية وضعف البنية التحتية. إن هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات، بل هي قصص إنسانية خلفها أسر فقدت أحبتها، ورسالة واضحة بضرورة تعزيز إجراءات السلامة والوقاية، حتى لا يبقى الشتاء موسماً للألم بل يصبح موسماً للصمود والأمان.”

https://e.infogram.com/786048ea-86ad-4a41-9f0b-7368ea2bb65a?src=embed&embed_type=responsive_iframe

Untitled
Infogram

في الختام شتاء الضفة الغربية لعام ٢٠٢٥ كشف عن هشاشة البنية التحتية وقسوة الظروف الطبيعية، لكنه أبرز أيضاً صمود الأهالي وتكاتفهم في مواجهة الأزمات؛ ومن هذه التجربة تبرز الحاجة إلى تعزيز البنية التحتية لمواجهة السيول، ووضع خطط طوارئ محلية تشمل المدارس والمستشفيات، إلى جانب نشر التوعية المجتمعية حول الاستعداد للعواصف، وتفعيل دور التعاون الأهلي في تقديم الدعم السريع، مع ضرورة التنسيق مع المؤسسات لضمان استجابة أكثر فاعلية، حتى يكون الشتاء القادم أقل قسوة وأكثر أماناً على الناس.”

الزجاج والخزف بين الماضي والحاضر، صناعة فلسطينية تتحدى الزمن

داخل ورشة يسبق فيها الضوء صوت اللهب يواصل العاملون في مصنع الزجاج والخزف في مدينة الخليل عملهم اليومي للحفاظ على واحدة من أقدم الصناعات التقليدية في فلسطين. يبدأ العمل منذ ساعات الصباح، من خلال تجهيز المواد الخام، وتشكيل القطع، ثم تجفيفها وحرقها داخل الأفران، وصولًا إلى مرحلة التزيين والتشطيب النهائي. ويؤكد العاملون أن هذه المهنة تمثل مصدر دخل رئيسيًا لهم، إلى جانب دورها في الحفاظ على التراث المحلي. إلا أنهم يواجهون تحديات يومية، أبرزها صعوبة توفير المواد الخام، وضعف الإقبال على الشراء، وارتفاع الجهد المطلوب مقارنة بالعائد المادي.

جذور ممتدة عبر العصور

قبل قرابة (400) عام أدخل العثمانيون صناعة الخزف والزجاج إلى مدينة الخليل، لتتوارثها الأجيال منذ ذلك الحين، ليطلق على بعض أحيائها اسم “حارة القزازين” لكثرة أصحاب هذه المهنة القاطنين فيها.

وأصبحت مهنة صناعة الخزف والزجاج ترتبط عبر التاريخ بعائلات معينة في المدينة؛ مثلعائلة النتشة التي لا تزال تحافظ على مهنة أجدادها، وتورثها للأبناء جيلا بعد جيل

ويستعرض العاملون في الحرفة تفاصيل هذه الحرفة ومراحل الإنتاج، مؤكدين أنها مهنة موروثة عن الأجداد ما زالت مستمرة رغم صعوبتها. كما يوضحون طبيعة العمل داخل الأفران، والمهارة المطلوبة في تشكيل الزجاج وصناعة الخزف، .إلى جانب التحديات التي تواجه هذا القطاع اليوم

يظهر هذا الفيديو تفاصيل العمل اليومي، ومراحل التصنيع، والتحديات التي تواجه استمرار هذه الحرفة التقليدية

تراجع أعداد المصانع والورش

تشير إحصائيات الغرفة التجارية في الخليل إلى انخفاض أعداد المصانع والورش العاملة في قطاع صناعة الزجاج خلال السنوات الأخيرة ما بعد الانتفاضة الثانية عام 2000، وذلك نتيجة لتراكم مجموعة من العوامل، أبرزها القيود على الحركة، وتراجع القدرة على التصدير، إضافة إلى الإغلاقات المتكررة التي أثّرت على استمرارية الإنتاج.

كما يُعدّ إغلاق عدد من المحلات والورش في حارة القزازين داخل البلدة القديمة أحد الأسباب المهمة لهذا التراجع، وهي المنطقة التي اشتهرت تاريخيًا بأنها مركز رئيسي لصناعة الزجاج اليدوي في الخليل، حيث كانت تحتضن ورش النفخ
والتشكيل التقليدي التي شكّلت جزءًا أساسيًا من هوية المدينة الاقتصادية والحرفية، ويمكن إبراز هذا التراجع بشكل أوضح من خلال إنفوجرافيك يوضح أعداد الورش قبل عام 2000 وبعده

قيود الحركة وتأثيرها على التسويق

 تشير البيانات والتقارير المحلية في محافظة الخليل إلى أن الحركة السياحية الوافدة، ولا سيما إلى معارض الزجاج والخزف، ما تزال دون المستوى المطلوب، ولا تلبي طموحات التجار وأصحاب المصانع، إذ تنخفض أعداد الزوار في بعض الفترات إلى حدّ شبه معدوم. ويشكّل هذا التراجع تهديدًا مباشرًا لاستمرارية هذا الإرث الحرفي التاريخي في المدينة، ويدفع العديد من أصحاب المصانع إلى التفكير في إغلاق منشآتهم، بعد أن تحوّل بعضها من مصدر رزق إلى عبء اقتصادي متزايد.

كما تسهم القيود المفروضة على حركة وتنقل البضائع، إلى جانب صعوبات المشاركة في المعارض داخل فلسطين وخارجها، في تقليص فرص التسويق والتوسع أمام هذا القطاع، ما يحدّ من قدرته على الوصول إلى أسواق جديدة أو تعزيز حضوره الاقتصادي.

ورغم هذه التحديات الاقتصادية والسياسية المتراكمة، ما تزال صناعة الزجاج والخزف في الخليل قائمة بجهود الحرفيين والعاملين فيها، الذين يواصلون العمل للحفاظ على مهنة تقليدية متجذّرة، تُعدّ جزءًا أساسيًا من الهوية الثقافية الفلسطينية وذاكرة المدينة التاريخية

بين أنامل الحِرفي وأغصان الزيتون: حكاية بيت لحم التي لا تنطفئ

في أزقة بيت لحم القديمة، لا يمر الوقت كما في المدن الأخرى؛ هنا يُقاس الزمن برائحة خشب الزيتون المحفوف، وبصوت الآلات اليدوية التي تروي حكايات صمود حرفة توارثتها الأجيال. صناعة “الخشب الأصيل” ليست مجرد مهنة، بل هي هوية المدينة التي تُنحت يدوياً لتسافر من مهد المسيح إلى العالم أجمع.

تراث يُنحت بالصبر: داخل المشاغل الصغيرة التي تعج بالتفاصيل، يقضي الحرفيون ساعات طوال في تحويل قطع الخشب الصماء إلى تحف فنية تنبض بالحياة خشب الزيتون تحديداً يمتلك مكانة خاصة؛  فعرُوقه الداكنة تحكي عمر الشجرة التي اقتُطعت منها، وكل قطعة تخرج من تحت يد الحرفي هي نسخة وحيدة لا تشبه غيرها.

                               “مئات القطع المنحوتة يدوياً تنتظر من يحملها كذكرى من أرض السلام.”

الرموز الدينية.. رسالة سلام للعالم: تعتمد الصناعة اليدوية في بيت لحم بشكل كبير على الرموز الدينية التي تجذب الحجاج والسياح. من تماثيل الميلاد إلى الصلبان المارقة بدقة، تُعد هذه المصنوعات الجسر الذي يربط الزائر بروحانية المكان.

“تنوع الأشكال والأحجام يعكس مهارة فائقة في تطويع الخشب والمواد الخام لتجسيد الرموز الدينية.”

تحديات البقاء: رغم الجمال الذي تراه الأعين على الرفوف، إلا أن خلف هذا البريق تحديات جسيمة؛ من تراجع السياحة في فترات الأزمات، إلى غزو المنتجات المقلدة. لكن “اللحامنة” (أهل بيت لحم) يصرون على الحفاظ على أصالة المنتج اليدوي، معتبرين أن كل قطعة يبيعونها هي سفير لفلسطين في الخارج.

“المتجر التلحمي.. معرض فني دائم يحكي قصة مدينة لا تعرف المستحيل.”

خاتمة:

 ستبقى صناعة خشب الزيتون في بيت لحم أكثر من مجرد “تذكار”؛ إنها رائحة الأرض، وتعب الأجداد، وأمل الشباب في غدٍ تظل فيه الهوية الفلسطينية حاضرة في كل بيت حول العالم. فكل قطعة تخرج من هذه المدينة هي رسالة صمود محفورة بالحب، ودعوة مفتوحة لزيارة مهد التاريخ.

جولة داخل المعرض

“انتخابات البلدية: صوت الناس وصناعة القرار”

تشهد الضفة الغربية في عام 2026 انتخاباتٍ بلدية تُعد محطة مهمة في الحياة الديمقراطية المحلية، حيث يتوجه المواطنون لاختيار ممثليهم في المجالس البلدية. وتكتسب هذه الانتخابات أهمية خاصة لما لها من تأثير مباشر على مستوى الخدمات الأساسية، مثل النظافة، والبنية التحتية، وتنظيم المدن. كما تعكس آراء المواطنين وتطلعاتهم نحو تحسين واقعهم اليومي. وتبرز مشاركة فئة الشباب مثل الطلاب بشكل لافت، باعتبارها عنصرًا أساسيًا في تعزيز الوعي المجتمعي والمساهمة في صناعة التغيير على المستوى المحلي لانهم يعتبرون صوت لتغير الواقع الموجود.

وفي هذا السياق، تعكس المقابلات التي أُجريت مع عددٍ من الطلبة آراءً متباينة حول انتخابات البلدية، حيث عبّر بعضهم عن أهمية المشاركة باعتبارها وسيلة للتأثير في القرارات المحلية، فيما أبدى آخرون ملاحظات تتعلق بمستوى الخدمات وضرورة تطوير أداء المجالس البلدية. كما أشار عدد من الطلبة إلى دور الشباب في إحداث تغيير إيجابي، مؤكدين أن المشاركة الفاعلة تسهم في إيصال صوتهم وتعزيز حضورهم في الشأن العام. وتُظهر هذه الآراء تنوعًا في وجهات النظر، لكنها تلتقي عند أهمية الوعي والمشاركة في رسم ملامح المرحلة المقبلة.

وفي سياقٍ متصل، تُظهر بيانات لجنة الانتخابات المركزية الفلسطينية وجود تراجعٍ في أعداد القوائم والمرشحين بين دورتي الانتخابات المحلية لعامي 2021 و2026، إذ انخفض عدد القوائم في انتخابات 2026 إلى 370 قائمة مقارنة بـ765 قائمة في عام 2021، كما تراجع عدد المرشحين من 6,299 إلى 4,439 مرشحًا. ويعكس هذا الانخفاض تغيرًا في حجم المشاركة الانتخابية على المستوى المحلي بين الدورتين.ويُعزى هذا التراجع في أعداد القوائم والمرشحين إلى مجموعة من العوامل المرتبطة بالواقع السياسي والاجتماعي، من بينها تغير مستوى الإقبال على الترشح، وتباين الظروف بين الدورتين الانتخابيتين. كما يشير ذلك إلى اختلاف في حجم المشاركة الانتخابية مقارنة بانتخابات عام 2021، ما يعكس تحولات في المشهد المحلي ودرجة التفاعل مع العملية الانتخابية، رغم استمرار أهمية المجالس البلدية في تحسين الخدمات العامة وتمثيل احتياجات المواطنين على أرض الواقع.

https://infogram.com/future-athlete-1hxj48m0gzwd52v

شير البيانات إلى أن عدد المرشحين في انتخابات المجالس المحلية عام 2021 بلغ نحو 6,299 مرشحًا، شكّلت النساء منهم حوالي 1,599 مرشحة بنسبة تقارب 25.4%، بينما بلغ عدد الرجال حوالي 4,700 مرشح بنسبة تقارب 74.6%. وفي عام 2026، تراجع إجمالي عدد المرشحين إلى 4,439 مرشحًا، حيث ارتفع عدد النساء إلى أكثر من 1,400 مرشحة بنسبة تقارب 31.5%، في حين بلغ عدد الرجال حوالي 3,000 مرشح بنسبة تقارب 68.5%، ما يشير إلى تحسن نسبي في تمثيل المرأة رغم الانخفاض العام في أعداد المرشحين.

تعكس انتخابات المجالس المحلية في الضفة الغربية أهمية المشاركة الشعبية في اختيار ممثلي الهيئات المحلية، باعتبارها إحدى الأدوات الأساسية للتأثير في مستوى الخدمات وتحسين الواقع المعيشي. ورغم التراجع في أعداد القوائم والمرشحين بين دورتي 2021 و2026، إلا أن العملية الانتخابية ما زالت تشكّل مساحة للتعبير عن الرأي وإيصال صوت المواطنين، خاصة فئة الشباب والنساء. ويؤكد ذلك استمرار الحاجة إلى تعزيز الوعي بأهمية المشاركة الفاعلة في الانتخابات المحلية باعتبارها خطوة أساسية نحو تطوير المجتمعات المحلية ودعم مسار الحكم المحلي.

الخصوصية في المخيمات: حين تصبح الجدران آذان  

في المخيمات الفلسطينية، لا تُقاس المسافات بين البيوت بالأمتار فقط، بل بدرجة القرب بين الناس. أزقة ضيقة، مباني متلاصقة، ونوافذ مفتوحة على تفاصيل حياة الآخرين. في هذا المكان، لا تحتاج إلى الخروج من منزلك لتعرف ما يحدث حولك، يكفي أن تجلس بصمت، لتصل إليك أصوات الجيران، وأحاديثهم، وحتى تفاصيل يومهم العادي. 

نشأت المخيمات في الأصل كحل مؤقت، لكنها مع مرور السنوات تحولت إلى واقع دائم. ومع ازدياد عدد السكان، بدأت البيوت تتمدد بشكل غير منظم، طابق فوق طابق، وغرفة بجانب غرفة، دون تخطيط عمراني حقيقي يراعي الخصوصية أو المساحة الشخصية. النتيجة كانت بيئة مكتظة، لا تترك مجالا للفصل الواضح بين الحياة الخاصة والعامة. 

داخل هذه المساحات الضيقة، تتشارك العائلات تفاصيل حياتها اليومية بشكل غير مباشر. في كثير من الأحيان، لا يكون الصوت بحاجة إلى ارتفاع حتى يُسمع في المنزل المجاور. حديث عادي، نقاش عائلي، أو حتى لحظة هدوء، كلها قد تكون مكشوفة للآخرين. هذا القرب القسري يفرض على السكان نمط حياة مختلف، قائم على التكيف المستمر مع غياب الخصوصية. 

ولا يقتصر الأمر على داخل المنازل فقط، بل يمتد إلى الأزقة الضيقة، حيث تصبح الحياة شبه مشتركة. الأطفال يلعبون أمام البيوت، والأحاديث تنتقل بين الجيران بسهولة، ما يعزز من الترابط الاجتماعي من جهة، لكنه يحد من المساحة
الشخصية من جهة أخرى. 
 

في محاولة لفهم هذا الواقع بشكل أعمق، تنقل مقابلة مع أحد سكان المخيم تجربة يومية تعكس غياب الخصوصية
 داخل هذه البيئة. 
 

هذه الشهادة تختصر واقعا يعيشه الآلاف، حيث تصبح الجدران مجرد فواصل شكلية، لا تمنع انتقال الصوت أو التفاصيل اليومية. ويشير المتحدث إلى أن بعض المواقف الخاصة تتحول إلى أحاديث عامة دون قصد، نتيجة طبيعة البناء والتقارب الشديد بين البيوت. 
 
هذا الواقع يترك أثرا واضحا على الحياة النفسية والاجتماعية للسكان. فالشعور المستمر بأن الآخرين قد يسمعون أو يلاحظون تفاصيل حياتك، يدفع الكثيرين إلى تقييد سلوكهم داخل المنزل نفسه. كما يجد الشباب صعوبة في إيجاد مساحة هادئة للدراسة أو العمل، في حين تواجه العائلات تحديات في الحفاظ على خصوصيتها في لحظات تحتاج فيها إلى العزلة.

 

تظهر البيانات المتعلقة بعدد السكان والبيوت في عدد من المخيمات الفلسطينية فجوة واضحة بين الكثافة السكانية والبنية السكنية المتاحة. ففي مخيمات مثل جباليا أو رفح، يعيش مئات الآلاف ضمن مساحات محدودة، مع عدد بيوت لا يتناسب مع هذا الحجم السكاني. 

هذا التفاوت بين عدد السكان وعدد البيوت يفسر جزءا كبيرا من مشكلة الخصوصية، حيث تضطر العائلات للتوسع داخل نفس المساحة، أو مشاركة السكن، ما يزيد من الضغط على البيئة السكنية. 
 
ورغم ذلك، يحاول السكان التكيف مع هذا الواقع بطرق مختلفة. البعض يحدد أوقاتا للهدوء داخل المنزل، وآخرون يلجؤون لاستخدام حلول بسيطة لخلق مساحات شبه خاصة، لكن هذه المحاولات تبقى محدودة أمام الاكتظاظ المستمر. 

https://drive.google.com/file/d/1DqbKcM0Mc5RnMU93NAiB0E6a_jQcPJ1b/view?usp=sharing

وفي تسجيلات صوتية لعدد من سكان المخيمات: الخصوصية ليست غائبة فقط، بل تكاد تكون غير موجودة. يتحدث السكان عن مواقف يومية يشعرون فيها بأن حياتهم مكشوفة، وعن محاولاتهم المستمرة للتأقلم مع هذا الواقع. 

في النهاية، لا تتعلق قضية الخصوصية في المخيمات بالبناء فقط، بل بأسلوب حياة كامل تشكّل عبر سنوات طويلة من الاكتظاظ والظروف الصعبة. وبين هذا الواقع، يستمر السكان في إيجاد طرق للتعايش، محافظين على توازن دقيق بين القرب الاجتماعي، والحاجة الإنسانية إلى مساحة خاصة. 

Scroll to top